مقدمة
شكّلت أحداث تموز/ يوليو 2025، في محافظة السويداء، نقطة تحوّل على الصعيد العسكري والاجتماعي في المحافظة من جهة، وبين علاقة مدينة السويداء مع الدولة السورية من جهة أخرى؛ حيث رسمت التطورات العسكرية في تموز شكلًا جديدًا للمحافظة وللتحالفات العسكرية والاجتماعية فيها، إذ تشكّل “الحرس الوطني”، وتشكّلت عدة كيانات “مدنية”، وتفرّد الشيخ حكمت الهجري بالزعامة الدينية على حساب الشيخَين الآخرين حمود الحناوي ويوسف جربوع، وكان ذلك مقدّمةً لمسار عسكري ومدني وديني جديد في المحافظة.
تقدّم هذه الورقة تقييمًا لحالة المشهد العسكري-المحلّي في السويداء، بعد أحداث تموز، وذلك من خلال تحليل ماهيِّة “الحرس الوطني” المُشكَّل، ومدى قدرته على الاستمرار مع تركيبة المجموعات المسلّحة فيه، ومن خلال علاقته بالتجمعات “المدنية” الناشئة بعد الأحداث، وانعكاس المشهد ككّل على نشاط تهريب المخدرات باتجاه الحدود الأردنية.
أولًا: تحالفات عسكرية متبدلة في المحافظة
كان المشهد العسكري في محافظة السويداء، عند سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، يعكس صورة التحالفات العسكرية المتباينة التي تشكّلت في المحافظة خلال أعوام 2022-2023-2024، بين مجموعات محلية رفعت شعار حماية التظاهرات المناهضة للأسد في المدينة ومنع عمليات الخطف والسلب، وبين ميليشيات امتهنت الخطف وتجارة المخدرات كمصدر دخل، ولديها ارتباطاتٌ إما بالأفرع الأمنية التابعة لنظام الأسد، وإما بإيران أو حزب الله أو روسيا[1]. وقد شهدت لحظة سقوط النظام هجوم بعض الفصائل المحلية على ميلشيات متورطة في تجارة المخدرات، مثل ميليشيا ناصر السعدي[2]، وعلى الرّغم من أن هذا الهجوم فشل[3]، فإنّه ثبَّتَ الاصطفافات التي انعكست على الموقف من السلطة الجديدة؛ إذ كانت الفصائل المحلية، مثل “رجال الكرامة” و “لواء الجبل”، حينذاك، على تواصل مع الحكومة المؤقتة ثم الانتقالية لاحقًا، في حين اتخذت الميلشيات المسلحة موقفًا رماديًا من الحكومة، وتقرّبت من المجلس العسكري الذي تشكَّل عند سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر، وضمّ عددًا من ضباط نظام الأسد[4].
أفضت لاحقًا التفاهمات العسكرية بين وزارة الداخلية وبعض الفصائل المحلية، وعلى رأسها رجال الكرامة، إلى اتفاق ينص على أن تكون قوى الأمن الداخلي، في محافظة السويداء ومدينتي أشرفية صحنايا، من أبناء المنطقة، ولكن هذا الاتفاق قوبل برفض من المجلس العسكري والشيخ حكمت الهجري، وتم تنفيذه جزئيًا في أشرفية صحنايا وجرمانا وبعض مناطق السويداء، إلى حين تفجّر أحداث تموز/ يوليو 2025 في السويداء[5]، التي أدت إلى تغير خريطة التحالفات العسكرية أو حتى الهيكلية الداخلية لبعض الفصائل المحلية في المدينة، إذ شارك بداية عددٌ من عناصر الفصائل المتحالفة مع الدولة سابقًا، مثل رجال الكرامة ولواء الجبل، في المعارك ضدّ قوى الأمن الداخلي والجيش، وذلك بالتزامن مع تصدُّر الشيخ حكمت الهجري للمشهد، وإعلان عدد من الفصائل والتيارات تأييدها لبيانات الهجري. ومن ثم تحوّل الموقف الرسمي لرجال الكرامة وعدة فصائل إلى الدخول بمعركة ضد القوى الحكومية[6]، وتَبِع ذلك عزل “رجال الكرامة” لقائدها يحيى الحجار، وتعيين القائد العسكري للحركة مزيد الخداج قائدًا عامًا لها.
كانت ذروة التحالفات داخل المدينة بإعلان تأسيس “الحرس الوطني”، في آب/ أغسطس 2025[7]، وذلك بمشاركة مجموعات مسلحة عدة، وبحسب الأداة التفاعلية (1) يمكن تقسيم تلك المجموعات، بحسب أدوارها ما قبل أحداث تموز، إلى ثلاثة أنواع[8]:
- مجموعات مسلّحة صغيرة لم تشارك في المعارك سابقًا بشكل منظم، ولم تُسهم في عمليات الزعزعة الأمنية أو مجال المخدرات، بل اقتصر دورها على حماية القرى والبلدات من عمليات الخطف، حتى إن بعضها لم يكن لها أسماء، مثل “بيرق فزعة مفعلة”، وأعلنت انضمامها للحرس الوطني.
- مجموعة مسلحة شاركت في معارك عدة، ولم تتورط في عمليات الزعزعة الأمنية، وبدّلت موقفها من الدولة بعد أحداث تموز، مثل حركة “رجال الكرامة”.
- ميلشيات امتهنت تجارة المخدرات، وكانت على خلاف مع المجموعات المحلية، مثل رجال الكرامة، وكانت تبعياتها للأفرع الأمنية للنظام البائد مثل بيرق الفهد[9].
وكان ضمن هيكلية “الحرس الوطني” ضباطٌ من نظام الأسد، منهم جهاد نجم الغوطاني (قائد سلاح المدفعية في الفرقة الرابعة سابقًا)، وكانت قوات الحرس تحت إمرة الشيخ حكمت الهجري، في حين بقي المجلس العسكري خارج تركيبة “الحرس الوطني”، وظلت علاقته بالحرس متوترة، بسبب خطف طارق الشوفي (قائد المجلس العسكري) على يد مقرّبين من الشيخ حكمت الهجري[10]، وذلك للضغط على الشوفي كي لا يعارض إنشاء جسم عسكري موحّد بعيدًا عن المجلس العسكري. ومن جانب آخر، انضمّت إلى الحرس “قوات مكافحة الإرهاب” التابعة لحزب اللواء السوري، وفكرة “قوات مكافحة الارهاب” هي امتداد لمحاولة سابقة من حزب اللواء، لفرض وجود قوة عسكرية في المدينة عام 2022، لكن نظام الأسد شنّ حينذاك حملة أمنية، وقضى على القوة وقائدها سامر الحكيم[11].
ثانيًا: التوترات العسكرية في المحافظة
لم يكن انضمام المجموعات المسلّحة إلى “الحرس الوطني” نتيجة تقارب حقيقي في الأهداف، أو تشابه في البنية التنظيمية والخلفيات الاجتماعية لهذه المجموعات، بل جاء أساسًا نتيجة خطاب تعبوي ركّز على وجود “عدو خارجي”، بوصفه عاملًا جامعًا ومبررًا للاندماج السريع. هذا النمط من الاندماج، القائم على ظرف استثنائي لا على أسس مؤسسية أو توافقات داخلية راسخة، أخفى مؤقتًا حجم التناقضات العميقة بين الفصائل. ففي المقابل، كان المشهد العسكري الداخلي في محافظة السويداء قبل 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 يتسم بدرجة عالية من التوتر، نتيجة الاشتباكات المتكررة والصراعات البينية بين هذه المجموعات نفسها. ومع زوال العامل التعبوي الخارجي أو تراجعه، عادت هذه التناقضات إلى الواجهة، بما يجعل “الحرس الوطني” كيانًا غير متجانس، محدود القدرة على الاستمرار بصيغته الحالية. ويمكن تفصيل عوامل هذا التفكّك البنيوي على النحو الآتي:
- عامل الثأر المُرَكَّب:
أنتجت أحداث تموز/ يوليو 2022 في السويداء، ولا سيّما الحملة التي شنتها فصائل محلية ضد شبكات تجارة المخدرات، وعلى رأسها مجموعة راجي فلحوط[12]، بنية ثأرية معقدة بين الفاعلين المسلحين، فقد أدّى إنهاء مجموعة فلحوط إلى فرار عدد من قادة المجموعات المسلحة خارج المحافظة، قبل أن يعود بعضهم تدريجيا في عام 2024، ما أعاد فتح ملفات صراع لم تُحلّ جذريًّا. هذا الإرث من العداء لم يُلغَ مع تأسيس “الحرس الوطني”، بل استمرّ في تشكيل العلاقات الداخلية بين فصائله، وظهر ذلك بوضوح في اشتباكات، بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وقعت في 27 أيلول/ سبتمبر 2025، بين ميليشيا سليم حميد[13] وحركة رجال الكرامة، على خلفية حادثة خطف سليم لرأفت أبو محمد[14]. ويشير هذا المثال إلى أن الاندماج الشكلي لم ينجح في تفكيك منطق الثأر، بل جمّده مؤقتًا ضمن إطار هش.
- التغلّب الديني ضمن المرجعيات
أسفرت تطورات ما بعد تموز/ يوليو 2025 عن تحوّل في ميزان القوى داخل المرجعيات الدينية الدرزية، حيث برز الشيخ حكمت الهجري بوصفه المرجعية الدينية الأكثر تأثيرًا في القرار العام، على نحو لم يكن مألوفًا تاريخيًا في السويداء، فعلى الرغم من التباينات السابقة بين العائلات الدينية الثلاث الكبرى، لم تشهد المحافظة تاريخيًا حالة تغلّب صريح لمرجعية واحدة على غيرها، غير أنّ هذا التحول أفضى إلى تهميش مرجعيات دينية أخرى، وتحوّل الخلاف الديني إلى أداة إقصاء وعنف، كما في حالة اعتقال الشيخ رائد متيني، بسبب معارضته لمواقف الهجري، ثم مقتله لاحقًا تحت التعذيب على يد عناصر من “الحرس الوطني”، ومن ثم يعكس هذا التحول تسييس المرجعية الدينية، وتحويلها إلى عامل انقسام داخلي يضعف أي إطار جامع.
- شبكات المخدرات في المحافظة:
خلال السنوات السابقة، لعب فرع الأمن العسكري التابع لنظام الأسد في السويداء دور المنسّق غير المعلن لعلاقات ميليشيات المخدرات فيما بينها في السويداء، عبر شبكة تبعية وتنظيم مصالح، ولا سيما في مواسم تهريب المخدرات باتجاه الأردن، خلال فصل الشتاء، حيث تُستغل الظروف المناخية لتسهيل التهريب. ومع غياب الأمن العسكري بعد سقوط الأسد، فقدت هذه الشبكات جهة الضبط المركزية التي كانت تنظم التنافس بينها. وفي الوقت نفسه، اعتمد “الحرس الوطني” على كتلة مالية غير مركزية محدودة الموارد، ما يجعل مصادر التمويل البديلة عامل ضغط دائم، وفي هذا السياق، تبرز تجارة المخدرات بوصفها المصدر المالي الأوفر، ضمن الواقع الاقتصادي الحالي للمحافظة، الأمر الذي ينذر بتصاعد التنافس بين المجموعات المسلحة، وبتحوّل النشاط الإجرامي إلى عامل تفجير إضافي داخل بنية “الحرس الوطني” نفسها.
في المحصلة، تكشف هذه العوامل مجتمعة أن “الحرس الوطني” لم يُبنَ على أسس اندماج مؤسسي مستدام، بل على تسوية ظرفية أخفت صراعات بنيوية عميقة. ومع استمرار هذه التوترات دون معالجة جذرية، تبدو قدرة هذا الكيان على الاستمرار موضع شكّ، في ظل غياب آليات فعالة لضبط الخلافات الداخلية، ومحاولة “الحرس الوطني” الهروب نحو الأمام، من خلال تفعيل الاشتباكات مع قوى الأمن واستهداف نقاط الأمن في عدة محاور، سعيًا للاستمرار في تفعيل ورقة العدو الخارجي كحل لتقنين الخلافات الداخلية.
- الخلاف بين الحرس الوطني والمجلس العسكري
إلى جانب التنافس على “التمثيل العسكري” داخل المحافظة، تبلور توتر بنيوي بين “الحرس الوطني” و “المجلس العسكري”، باعتبارهما إطارين يتنازعان الشرعية العسكرية المحلية، حيث تأسس “المجلس العسكري” بشكل أساسي من ضباط من نظام الأسد، ويملك تواصلًا مزدوجًا مع قوات سوريا الديمقراطية/ قسد، سواء على صعيد قيادة (قسد) أو مع ضباط الأسد الموجودين في تلك المناطق[15]، في حين أن “الحرس الوطني” هو خليط من الميليشيات والفصائل المحلية في السويداء. وتُعدّ حادثة اعتقال طارق الشوفي في سياق هذا التوتر أداةَ ضغط متبادلة، تهدف إلى إعادة ضبط ميزان القوة داخل المدينة، ومنع تكوّن مركز قرار منافس قادر على تعطيل مشروع “الجسم الموحد” الذي أطلقه الشيخ الهجري أو استقطاب فصائل خارجه. ويُرجّح استمرار هذا النوع من الصدامات حتى لو اتخذ صيغة “أمنية” أو “إجرائية”، لأنه يعبّر بوضوح عن أزمة داخلية في المكون العسكري ضمن المحافظة.
- خلافات بسبب تباين الدعم الخارجي
على مستوى العلاقات الخارجية، ظهرت فكرة وجود دعم لبعض المليشيات في مدينة السويداء، بعد كانون الأول/ ديسمبر 2024، بوساطة قنوات نقل أموال عبر فاعلين محلّيين في شمال شرقي سورية[16]، ويستدعي هذا الأمر، في حال استمرار الدعم، تعزيز التوتر بين المكونات العسكرية في السويداء التي لا تملك كتلة مركزية مالية، وتعتمد على مصادر تمويلها من تجارة المخدرات أو من الدعم الخارجي. وهذا يُفضي إلى أن الدعم الخارجي سينعكس على مطالب هذه المكونات، وهو ما تجلّى في المسيرات التي رفعت علم الاحتلال الإسرائيلي.
ثالثًا: كيانات مدنية وحوكمية
شكّلت الرئاسة الروحية للموحّدين الدروز، برئاسة الشيخ حكمت الهجري، ما سمّته “اللجنة القانونية” في المحافظة، بهدف إدارة المحافظة بمختلف القطاعات، بعيدًا عن سلطة الدولة السورية. وبحسب الشكل (1) ينقسم عمل اللجنة، نظريًا، إلى 6 لجان فرعية، و6 فرق منفصلة أيضًا[17]، تتولى الإشراف على عمل المؤسسات الصحية والتعليمية والخدمية. ولم تعترف الحكومة السورية باللجنة القضائية، لكن اللجنة فرضت نفسها في المدينة، بدعم من الشيخ الهجري والتشكيلات العسكرية المحلية، وأبرزها الحرس الوطني، وكذلك تم تشكيل “اللجنة السياسية” التي رفعت شعار “تجميع القوى السياسية في المحافظة لتحقيق الانتقال السياسي المنصوص عليه في القرار الدولي 2254”.

وتزامن وجود هذه الكيانات “المدنية-الحوكمية”، مع مؤشرات على انتقال الضبط العسكري الذي يقوم به “الحرس الوطني” إلى المجال الاجتماعي والسياسي، مثل اعتماد إجراءات تقييد الحركة أو “الإغلاق” في بعض الفترات في المحافظة، وشنّ حملات توقيف بحقّ أفراد أو شخصيات محلية، على خلفيات تتصل بالتواصل مع الحكومة السورية. وتكتسب هذه الإجراءات دلالة مزدوجة؛ فهي من جهة تعكس محاولة بناء سلطة أمر واقع قادرة على فرض القرار داخل المدينة، ومن جهة أخرى تُظهر هشاشة الإطار الحوكمـي، إذ يعتمد على أدوات قسرية بدلًا من إنتاج توافقات محلية مستدامة. وهنا يبرز خلل واضح يتمثّل في انفصال “العمل القانوني” الذي يحاول تيّار الشيخ الهجري تقديمه في السويداء، عن الإطار الوطني العام في البلاد، وعدم انسجامه مع “الحرس الوطني” المُشكل، ولا سيّما في ظلّ الخطابات والمطالبات التي يطرحها الهجري والمتعلقة بإعادة تعريف العلاقة مع الدولة المركزية، إضافة إلى التداول العلني بطلب الدعم الخارجي، ومن ضمنه دعم إسرائيل.
وقد انعكس هذا الواقع على اللجنة القانونية، من خلال تسييس دورها، وإضعاف استقلالها، وتحويلها من أداة لتنظيم الخلافات القانونية إلى بنية تتأثر بتوازنات محلية عسكرية غير مستقرة. وبذلك، تصبح الهيكلية -رغم وضوحها نظريًا- محدودة الفاعلية عمليًا، ويُصبح دورها تجميليًا، وذلك لتسويق وجود أجسام مدنية في المحافظة، على الرغم من عدم فاعلية هذه الأجسام حتى اللحظة، ووجود فجوة بين التصميم التنظيمي والوظيفة الفعلية، في بيئةٍ تتسم بصبغة عسكرية بخلفية ميليشياوية لا تحتمل اختلاف الآراء أو الفعل المدني.
رابعًا: تهريب المخدرات باتجاه الأردن بعد سقوط الأسد
تُظهر الأداة التفاعلية (2) تطوّر أنماط عمليات تهريب المخدرات ووتيرتها باتجاه الحدود الأردنية، خلال الفترة الزمنية اللاحقة لسقوط نظام الأسد[18]؛ حيث يوزّع نشاط التهريب على أساس الوسيلة المستخدمة للتهريب: (طرق برّية، طائرات درون، بالونات)، وعلى أساس زمني شهري. ويتيح هذا التوزيع قراءة ديناميكية لمسار التهريب، في سياق التحولات العسكرية والأمنية والاجتماعية التي شهدتها محافظة السويداء.

- الاتجاه العام: تصاعد تدريجي ثم انفجار كمّي
تشير الأرقام الإجمالية إلى مسار تصاعدي واضح في عمليات التهريب، حيث يبدأ النشاط بمعدلات محدودة نسبيًا في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، على الرغم من أن موسم تهريب المخدرات يكون في ذروته في أشهر الشتاء، وبلغ عدد الشحنات المضبوطة فقط 9 عمليات في كانون الثاني/ يناير 2025، قبل أن يشهد النشاط قفزة نوعية اعتبارًا من منتصف العام، وصولًا إلى ذروة واضحة في الأشهر (9–12)، ولا سيما في الشهر التاسع الذي سجّل 30 عملية تهريب، ثم استمر النشاط بمستويات مرتفعة نسبيًا حتى نهاية عام 2025[19]. ولا يمكن فصل هذا التصاعد عن سياق الأحداث في جنوب سورية، خصوصًا السويداء، إذ ارتفعت معدلات التهريب في ظل عدم سيطرة الدولة السورية، خاصة بعد تموز/ أيلول 2025، وهي تستمر في التصاعد في ظلّ اعتماد عدد من الميليشيات المسلحة في السويداء على التهريب كمصدر دخل لها.
- هيمنة المسار البرّي واستمراريته البنيوية
يُظهر الخط البياني الخاص بالتهريب البرّي أنه أكثر الوسائل انتظامًا في جميع الأشهر، بإجمالي 78 عملية، وهو ما يمثّل النسبة الأعلى من إجمالي نشاط التهريب، وذلك بسبب عدة عوامل:
- الطبيعة الجغرافية الممتدة للمثلث السوري–الأردني–السويداء، ولا سيما المناطق الريفية المفتوحة.
- الخبرة المتراكمة لمجموعات التهريب المحلية في هذا النمط من التهريب.
- انخفاض الكلفة التشغيلية، مقارنة بكلفة الطائرات المسيّرة[20].
وتتوافق هذه المعطيات مع ما ورد سابقًا حول اعتماد العديد من الميليشيات المحلية، ولا سيما تلك المنخرطة في “الحرس الوطني”، على تجارة المخدرات كمصدر تمويل أساسي، في ظل غياب كتلة مالية مركزية، ما يجعل التهريب البرّي أكثر الخيارات قابلية للاستمرار.
- الطائرات المسيّرة: تحوّل نوعي في أدوات التهريب
يبرز في الشكل تصاعد لافت لاستخدام الطائرات المسيّرة (الدرون)، ولا سيما في الأشهر الأخيرة، حيث ارتفع العدد من صفر في الأشهر الأولى، إلى 24 عملية في الشهر التاسع وحده، بإجمالي 55 عملية.
ويعكس هذا التحول ما يلي:
- تكيّف شبكات التهريب مع الضغط الأردني المتزايد على المسارات البرّية.
- دخول فاعلين يمتلكون قدرة تقنية وتمويلًا أعلى، وهو ما يرتبط جزئيًا بتعدد مصادر الدعم الخارجي لبعض المجموعات المسلحة.
- انتقال التهريب من نمط “محلي محدود” إلى نمط أكثر تنظيمًا وعابر للحدود.
ويُلاحظ أن ذروة استخدام الدرون تتزامن زمنيًا مع ذروة التوترات العسكرية الداخلية في السويداء، ما يشير إلى وجود علاقة طردية بين ارتفاع الحاجة للتمويل، وتسريع الابتكار في وسائل التهريب.
- بالونات التهريب: أداة ثانوية ذات دلالة تكتيكية
بالرغم من أن التهريب عبر البالونات سجّل أقل الأرقام (32 عملية)[21]، فإن بداية حضوره لأول مرة كانت في أيار/ مايو 2025، ثم تصاعد تدريجيًا، كما يظهر في الشكل البياني، وهو يستخدم غالبًا كوسيلة اختبار للجاهزية الحدودية، وكأداة إرباك وتشتيت مرافقة لمسارات تهريب رئيسية (برّية أو بالدرون). ويضاف إلى ذلك تكلفته الرخيصة، على عكس تكلفة الطائرات المسيرة.
ومن ثم، يُظهر الشكل أن تهريب المخدرات بعد سقوط الأسد لم يشهد تراجعًا، كما كان متوقعًا نظريًا، بل دخل بداية في حالة ضمور مع سقوط الأسد، ثم في حالة انتعاش بالتزامن مع التوترات الأمنية في المحافظة، ولا سيما بعد أحداث تموز وعدم سيطرة الدولة السورية على كل محافظة السويداء. وهذا يعني أن عملية تهريب المخدرات بدأت مرحلة إعادة هيكلة أكثر خطورة، اتسمت بتعدد الفاعلين، وتنويع الوسائل، وارتفاع الوتيرة. ويؤكد ذلك أن غياب الضبط الأمني يفتح المجال أمام اقتصاد تهريب أكثر تفلّتًا، خاصة في بيئة مثل السويداء، حيث تتقاطع الميليشياوية، والمرجعيات الدينية المسيّسة، والتنافس على الشرعية السياسية والعسكرية.
الخاتمة
تُظهر قراءة تطورات محافظة السويداء، بعد أحداث تموز/ يوليو 2025، أنّ ما جرى لم يكن مجرّد موجة توتر أمني عابرة، بل كان لحظة إعادة تشكيل بنيوي للعلاقة بين الفاعلين المسلحين (سواء فصائل محلية أو ميليشيات مسلحة)، والمجتمع المحلي، والدولة السورية؛ حيث أفرزت الأحداث ملامح “نظام محلي هش” جديد قائم على إرضاخ البُعد المدني للبعد العسكري، في ظل قيادة دينية تفردت وتغلبت على باقي المرجعيات الدينية. وتمثّل ذلك في صعود “الحرس الوطني” كإطار جامع شكليًا لمجموعات متباينة، وفي بروز الشيخ حكمت الهجري، بوصفه مركز قرار مُغلِّب داخل المرجعية الدينية في السويداء، بالتوازي مع محاولات إنشاء أجسام “حوكمية”، مثل “اللجنة القانونية“ و”اللجنة السياسية”. غير أنّ هذه البنى لم تتبلور كآليات حكم مدنية أو كبدائل مؤسسية لمؤسسات الدولة السورية، بل بقيت محكومة بمنطق تصديرها كواجهات “مدنية” ليست فاعلة.
وتبيّن الورقة أن “الحرس الوطني” تحديدًا لم يقم على توافقات داخلية أو على اندماج عسكري مستدام، وإنما قام على تعبئة ظرفية استخدمت “العدو الخارجي” ذريعةً للهروب إلى الأمام من التناقضات البنيوية، ومن عامل الثأر المركب بين مكوّناته. ومع تراجع فاعلية هذا العامل التعبوي، عادت عوامل التفكك إلى الواجهة: منطق الثأر المركّب، والتغلب الديني وتسييس المرجعية، والتنافس على اقتصاد المخدرات بوصفه مورد تمويل رئيسي، إضافة إلى التوترات مع “المجلس العسكري” وصراع التمثيل المحلي، وتباين قنوات الدعم الخارجي. ويُفضي ذلك إلى استنتاج مركزي، مفاده أنّ إعادة إنتاج القوة في السويداء بعد تموز/ يوليو 2025 تمّت ضمن إطار هشّ مؤقت، يؤجل الصراع الداخلي، ولا يُلغيه.
ويكتسب ملفّ تهريب المخدرات باتجاه الأردن بعد سقوط الأسد دلالة مضاعفة؛ إذ لا يقتصر على كونه نشاطًا إجراميًا عابرًا للحدود صنعه نظام الأسد سابقًا لابتزاز الأردن عبر ملف يؤثّر في أمنها القومي، بل تحوّل إلى مؤشر يعكس طبيعة التحولات في الجنوب السوري، ولا سيما السويداء، حيث تُظهر البيانات أن التهريب انتقل من حالة ضمور نسبي عقب سقوط النظام، إلى حالة انتعاش وتصاعد متزامن مع التوترات الأمنية في السويداء وغياب سلطة أمنية مركزية تضبط المدينة، ويكشف تنويع وسائل التهريب (برًّا، بالدرون، بالبالونات)، عن مرونة في إيجاد وسائل التهريب وقدرة على تطويرها، بما يعكس تشكّل اقتصاد عنف قابل للاستمرار، ما دامت البيئة الحاكمة تفتقد إلى جهة ضبط مركزية، وإلى قوانين مساءلة ومحاسبة محلية.
[1] يمان زباد، المجموعات المسلحة في السويداء.. ثنائية الأمن والمخدرات، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 11 تشرين الأول/ نوفمبر 2024، شوهد في 18 أيلول/ سبتمبر 2025
[2] يتزعم ناصر السعدي ميليشيا لتجارة المخدرات في منطقة صلخد، وحاولت القوات الأردنية اغتياله عبر استهداف منزله في كانون الأول/ ديسمبر 2023.
[3] تشهد مدينة صلخد توترات أمنية إثر هجوم فصيل قوات شيخ الكرامة على منزل عائلة ناصر السعدي، السويداء 24، 10 كانون الأول/ ديسمبر 2024، شوهد في أيلول/ سبتمبر 2025، https://bit.ly/4ksakyc
[4] يمان زباد، السويداء بعد سقوط الأسد: قراءة في تحولات القوى العسكرية والمطالب السياسية، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 13 آذار/ مارس 2025، شوهد في 18 أيلول/ سبتمبر 2025 https://bit.ly/4ppL9ip
[5] السويداء بين التدخل العسكري والفراغ الأمني: تموضع وانتكاس، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 20 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 18 أيلول/ سبتمبر 2025 https://bit.ly/4mp5W2W
[6] بيان صادر عن حركة رجال الكرامة عبر صفحتها على الفيسبوك، 13 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 18 أيلول/ سبتمبر 2025، الرابط: https://bit.ly/4kOqelo
[7] فصائل تعلن تشكيل “حرس وطني” في محافظة السويداء بقيادة الهجري، العربي الجديد، 25 آب/ أغسطس 2025، شوهد في 19 أيلول/ سبتمبر 2025 https://bit.ly/3K8Z0te
[8] رصد تراكمي أجراه الباحث وأصدر عدة أوراق بحثية عن المجموعات المسلحة في السويداء منذ عام 2022
[9] ا تم إنهاء وجوده بعد تطورات تموز 2022، وعاد سليم إلى الواجهة قبل سقوط نظام الأسد بعام واحد، كوسيط بين نظام الأسد والفصائل المحلية في المحافظة، ثم أعاد تفعيل بيرق الفهد بعد سقوط الأسد.
[10] السويداء: “مليشيا الهجري” تعتقل طارق الشوفي وتبث اعترافاته، زمان الوصل، 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، شوهد في 11 كانون الثاني/ يناير 2026 https://bit.ly/4sAMMLG
[11] قوات النظام السوري تدخل معقل «مكافحة الإرهاب» في السويداء، صحيفة الشرق الأوسط، 9 حزيران/ يونيو 2022، الرابط: https://bit.ly/3VRdSAo .
[12] راجي فلحوط كان يترأس ميليشيا تنشط في تجارة المخدرات والزعزعة الأمنية في المحافظة، وتتبع لفرع الأمن العسكري في السويداء، وفي تموز/ يوليو شنت الفصائل المحلية حملة ضده وأنهت عمل الميليشيا التابعة له.
[13] سليم حميد قائد بيرق الفهد.
[14] رأفت أبو محمد أحد مقاتلي حركة رجال الكرامة، وكان مشاركاً في الحملة ضد تجار المخدرات في المحافظة عام 2022.
[15]يمان زباد، السويداء بعد سقوط الأسد: قراءة في تحولات القوى العسكرية والمطالب السياسية، مرجع سابق.
[16] How Israeli covert activities in Syria seek to thwart its new, Washington post, 23 DEC 2025 https://bit.ly/4qGgWLM
[17] من رصد الباحث، ومن مقابلتين بحثيتين أجراهما مع ناشطين في السويداء.
[18] رصد أجراه الباحث من المواقع الرسمية للقيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، شمل الرصد عدد الشحنات المضبوطة وماهيتها وشكل الشحنة هل كانت برية أم طائرة مسيرة أم بالون، موقع القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية: https://www.jaf.mil.jo/
[19] مرجع سابق
[20] يبلغ متوسط سعر الطائرة المسيرة الواحدة 1000 -1500 دولار أميركي.
[21] من الرصد الذي أجراه الباحث، مرجع سابق.


