ملخص تنفيذي
تحلل هذه الورقة التطورات التي شهدها الشمال والشرق السوري مطلع عام 2026، بوصفها لحظة مفصلية في إعادة تشكّل المجال السيادي السوري خلال المرحلة الانتقالية، وتناقش انعكاساتها على المشاريع الداخلية الأخرى ومسار التفاوض السوري-الاسرائيلي. وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن انحسار نفوذ «قسد» لا يمثل مجرد تحوّل ميداني في خرائط السيطرة، بل يعكس إعادة ضبط للعلاقة بين الدولة والفواعل المسلحة دون الدولة، ويعيد تعريف موقع الأطراف السورية المختلفة ضمن ثنائية السيادة والموارد، وأن “قسد” أجرت تقديراً خاطئا لإمكانية رد الحكومة على التصعيد العسكري من قِبل قسد، وتبيّن الورقة أن توقيت التصعيد تزامن مع مسارين متوازيين: مسار داخلي يتصل بإعادة بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية، ومسار خارجي يرتبط بمرحلة ما بعد تخفيف العقوبات وعودة قنوات التفاوض الإقليمي، بما يجعل من التطورات العسكرية جزءًا من سياق أوسع لإعادة تموضع الدولة السورية.
وتخلص الورقة إلى أن انحسار «قسد» انعكس مباشرة على ملفات الساحل والسويداء، عبر تفكيك شبكة الفواعل التي راهنت على نماذج حكم ذاتي أو تمثيل مناطقي قسري، وأضعف قدرة هذه التيارات على الاستناد إلى موارد اقتصادية أو دعم خارجي. كما توضح أن هذا التحول أعاد ضبط معادلة التفاوض السورية–الإسرائيلية، عبر تقليص جدوى الاستثمار الاسرائيلي في الفواعل دون الدولة بوصفها أدوات ضغط، ودفع نحو مقاربة تفاوضية أكثر مباشرة مع الدولة السورية، وفي هذا السياق، تناقش الورقة دور المرسوم التشريعي رقم (13) لعام 2026 بوصفه أداة قانونية لإعادة إدماج المكون الكردي ضمن إطار المواطنة، واختبارًا لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة التنوع إلى احتوائه ضمن الشرعية الدستورية. وتؤكد الورقة أن مآلات المرحلة المقبلة ستتحدد بمدى نجاح الدولة في تحويل الحسم الميداني إلى استقرار مؤسسي، وترميم العقد الاجتماعي، وإعادة إنتاج الشرعية السياسية على قاعدة وحدة السيادة والتنوع الاثني والعرقي.
مقدمة
حاولت الدولة السورية بعد سقوط نظام الأسد إيجاد صيغ تفاهمية غير عسكرية مع المجموعات المسلحة التي لم تندمج ضمن وزارة الدفاع، سواءا كانت هذه المحاولات مع “قسد” أو مع المجموعات المسلحة في جنوب سورية، التي شملت المجموعات في السويداء واللواء الثامن في درعا، ونجحت تلك المحاولات في ملف درعا بينما تعثرت في ملفي السويداء و”قسد”، وقد أدى هذا التعثر لاحقاً إلى أحداث تموز في السويداء، وأحداث منتصف كانون الثاني/ يناير 2026 في الجزيرة السورية، حيث لم تكون أحداث كانون الثاني مجرد اشتباك عسكري بين الدولة وفواعل عسكرية مادون الدولة، بل مثلت لحظة انكشاف للتضخم الذي أصاب هذه الفواعل خلال حكم نظام الأسد، على صعيد علاقاتها خارج الجغرافية السورية، وسيطرتها على الموارد المحلية، حيث ورثت السلطة الجديدة بعد 8 كانون الأول/ديسمير 2025 خارطة نفوذ مفككة، كان الشرق فيها يخضع لسيطرة “قسد” المدعومة أمريكياً، بينما السويداء تعيش حالة “هشة” من الحكم الذاتي بعد حراك ثوري مستمر منذ آب 2023 ضد نظام الأسد، وبالتالي لم يعد شمال شرق سورية وجنوبها مجرد جغرافية خارج السيطرة المركزية، بل تحولت إلى عقدة سياسية–أمنية تتقاطع عندها ملفات السيادة والتسويات الإقليمية.
شكلت الفترة الممتدة من 14 إلى 20 كانون الثاني/يناير 2026 نقطة تحول بالنسبة للدولة السورية وقسد في آن واحد، حيث اندلعت مواجهات عسكرية واسعة النطاق في مناطق شرق وغرب نهر الفرات، أدت إلى تغير جذري في توزع السيطرة، حيث نجح الجيش السوري بداية بالسيطرة على المناطق التي تتواجد فيها قسد في غرب نهر الفرات، ولاحقاً سيطر على مدينتي الرقة ودير الزور، مدعوماً بانتفاضة العشائر العربية ضد قسد، وشملت هذه المناطق موارداً اقتصادية كانت خارج سيطرة الدولة لسنوات. وتزامنت هذه التطورات الميدانية مع حراك تشريعي تمثل في إصدار المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي حاول تقديم مقاربة قانونية وسياسية جديدة للمسألة الكردية، معترفاً بالهوية الثقافية واللغوية للأكراد كجزء أصيل من الهوية السورية.، وبالتالي شكلت ثنائية بين “الضغط العسكري” و”الاحتواء القانوني” اختبار حقيقي لقدرة الدولة السورية على إدارة التنوع من جهة، وفرض السيادة من جهة أخرى.
كما يرتبط التصعيد في شمال شرق سورية بمحورين: أولهما داخلي مرتبط بمرحلة انتقالية حالية تشمل بناء مؤسسات الدولة ومن ضمنها العمل على استكمال تفعيل المجلس التشريعي، وثانيهما خارجي مرتبط بفترة مابعد رفع قانون قيصر والمفاوضات السورية-الإسرائيلية، وبالتالي يُفضي تغيّر موازين السيطرة في هذه المناطق إلى إدخال ملف الشمال الشرقي في حسابات الترتيبات الأمنية الإقليمية، ولا سيما في ما يتصل بالدور الأميركي وضمانات الاستقرار الحدودي، لذلك لا يقتصر التصعيد على كونه تطورًا داخليًا، بل يكسب الدولة السورية ورقة تفاوضية، في مرحلة تتداخل فيها فكرة فرض سيادة الدولة على الأراضي السورية مع مسارات التسوية الإقليمية.
أولاً: توقيت التصعيد وتأثيره على المسار الانتقالي
اكتسب التصعيد في شمال وشرق سورية دلالة مضاعفة بفعل توقيته، حيث تحاول الحكومة الجديدة تثبيت شرعيتها بعد رفع العقوبات جزئياً وإعادة هيكلة الاقتصاد وعودة الدولة إلى مساحات من التفاعل الإقليمي والدولي[1]،وجاء إصدار المؤسوم رقم (13) لعام 2026 الخاص بحقوق الأكراد بالتزامن مع العمليات العسكرية، مما طرح سؤالاً متعلقًا بماهية المسار الانتقالي الحالي، وهل يجب أن يقوم هذا المسار على تسويات سياسية شاملة؟، أم فرض سيطرة الدولة على المؤسسات المدنية في مناطق سيطرة “قسد” هو شرط مسبق للتسوية؟، وفي هذا الإطار لم يكن اللجوء إلى الخيار العسكري في حلب أو غرب الفرات ثم شرقها لاحقًا تعبيرًا عن تراجع عن منطق التسوية السياسية، بل عَكَس هشاشة اتفاق آذار 2025 الذي كان بين الحكومة السورية و”قسد”، وأن “قسد” بالنسبة للدولة السورية قد تجاوزت فكرة أنها تسيطر على موارد محلية وتتواصل فقط مع الجهات الاقليمية والدولية لتثبيت مطالبها السياسية من دمشق، بل أصبحت ورقة ضغط خارجية على الحكومة السورية، وأصبحت ملجئاً لعدد من ضباط نظام الأسد[2].
تتقاطع هشاشة هذا الاتفاق مع سعي الحكومة السورية لتفعيل المجلس التشريعي، بوصفه إحدى أدوات تعزيز الشرعية السياسية في المرحلة الانتقالية، وخاصة أن عملية تشكيل المجلس بدأت في مرحلة لم تتضح فيها العلاقة الفعلية بين الحكومة وقوى الأمر الواقع المسيطرة في شمال شرق سورية وفي مناطق من السويداء، وبالتالي التصعيد العسكري لا يؤثر فقط في الخارطة العسكري، بل على استكمال التمثيل السياسي في المجلس التشريعي للمناطق التي دخلت إليها الدولة في دير الزور والرقة، وبالتالي كانت فكرة التصعيد العسكري بسبب غياب التسوية السياسية التي ستؤثر على شرعية المرحلة الانتقالية، وأيضاً غياب هذه التسوية أفضى إلى هجوم ل “قسد” على أحياء في مدينة حلب[3]، للضغط على الحكومة وفي تقديرٍ خاطئ من قسد بأن الحكومة السورية قد لا ترد عسكرياً، في حين ردت الحكومة على قسد بفعل عسكري سعياً منها لإعادة ضبط المجال السيادي بالقوة.
أما على مستوى المسار الاقتصادي ضمن المرحلة الانتقالية، لم يكن استمرار الدولة بتحركها نحو ضفاف نهر الفرات الشرقية معزولاً عن سياق سعي الدولة في قطاع الطاقة، إذ تشير التفاهمات مع شركات طاقة أجنبية إلى أن الحكومة السورية كانت قد مهدت الطريق لاستعادة قطاع الغاز منذ أواخر عام 2025 [4]، وبالتالي فإن السيطرة الميدانية السريعة للجيش السوري، تلاها مباشَرِة (شركة النفط السورية) باستخراج النقط من الحقول التي سيطرت عليها، ومنها حقل “العمر” أكبرها، وضخ الانتاج لمصفاتي بانياس وحمص[5]، وتكتسب هذه السيطرة أهمية بالنظر إلى أن حقل “العمر” وحده كان ينتج ما يقارب 80 ألف برميل يومياً قبل عام 2011[6]، بينما توفر السدود المستعادة (تشرين والبعث) قرابة 70% من حاجة سورية للكهرباء المائية[7]، هذا التحول النوعي في ميزان الموارد يمنح الحكومة السورية قدرة تمويلية مالية إضافية ، ويقلص قدرة الدول الاقليمية على استخدام ورقة “دعم الطاقة” في أي مفاوضات أو مطالب سياسية مستقبلية.
ثانياً: تداعي “ثلاثية الانفصال”: ارتدادات تراجع “قسد” على تياري غزال والهجري.
لا يمكن قراءة الانهيار السريع لنفوذ “قسد” في ريف حلب وشمال شرق سورية بوصفه حدثاً معزولاً، بل هو تفكيك للضلع الأقوى في “مثلث اللامركزية العسكرية ” الذي حاول فرض وقائعه على الدولة السوريةحساب فرضيات “قسد” التي اعتبرت أنه: (( كلما زادت قوة الأطراف سيُفضي حتماً إلى إضعاف المركز)) وأنه ((هناك دعم أميركي مستمر لها على الرغم من العلاقة الجيدة بين أميركا والحكومة السورية)) وبالتالي أخطأت “قسد”في اعتبارها أنها حليفة مُفضلة للولايات المتحدة الأميركية على حساب الحكومة السورية، كما أن العلاقة بين “قسد” وتيارات عسكرية في السويداء وبقايا ضباط نظام الأسد في الساحل لم تكن مجرد تقاطع مصالح آنية أو بسبب وجود تحشيد ضد “عدو” موجود وهي الدولة السورية، بل استندت إلى استراتيجية ممنهجة قادتها “قسد” لتعميم نموذجها “الإداري والعسكري” على بقية المناطق، بهدف خلق “كتلة حرجة” من الأقاليم المتمردة تُجبر دمشق على التفاوض وفق شروط الفيدرالية، وقد تجلت سابقة هذه الرغبة أثناء حراك السويداء ضد نظام الأسد في عامي 2023- 2024، إذ دعت حينها “قسد” لتطبيق “الإدارة الذاتية” في السويداء ودفعت بعض التيارات السياسية في السويداء لنقاشات حولها[8]، ورئيس أحد تلك التيارات وهو تيار سورية الفيدرالي هو المؤسس ل”المجلس العسكري” في السويداء عقب سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 ودعمت قسد تأسيسه[9]؛ إذ لم يكن هذا التشكيل نتاج حاجة محلية صرفة بقدر ما كان استثماراً لـ “قسد” في خلق نديد مشابه لها في الجنوب، يتبنى نفس السردية السياسية.
وتقوم هندسة هذا “التحالف الهش” بين “قسد” وتيار الشيخ حكمت الهجري في السويداء وبقايا ضباط نظام الأسد والشيخ غزال غزال في الساحل، على ركيزتين أساسيتين: الأولى هي احتكار التمثيل الطائفي والمناطقي قسراً؛ فكما سعت “قسد” لاختزال المكون الكردي في مشروعها السياسي، دعمت أيضا تيار الشيخ الهجري لاحتكار الصوت الدرزي في السويداء، وتيار الشيخ غزال غزال لاحتكار الصوت في الساحل، في محاولة لإنتاج “أمراء طوائف” يتقاسمون الجغرافيا السورية، أما الركيزة الثانية، فهي البنية العسكرية المشتركة التي شكلها ضباط نظام الأسد الفارون، الذين وجدوا في هذه المناطق الثلاث ملاذات آمنة لإعادة تدوير نفوذهم الأمني تحت مسميات “حماية الأقليات” والهروب للأمام من أي مسار عدالة انتقالية قد يطالهم، وأن يصبح العفو العام مطلباً تفاوضياً مع الحكومة السورية، كمطلب أخير في حال تعثرت المطالب العسكرية.
بيد أن الفارق الجوهري الذي جعل من سقوط “قسد” مؤشراً أولياً لنهاية طموحات تيار الهجري في السويداء، يكمن في “الاقتصاد السياسي” لهذه الكيانات؛ فقد كانت “قسد” تمثل “الخزان المالي” للمشروع الانفصالي بفضل سيطرتها على الموارد النفطية وتنظيمها العسكري الهرمي، في حين أن مجموعات ضباط الأسد في الساحل والمجموعات المسلحة في السويداء ظلت تعاني من الهشاشة التنظيمية واعتماد بعضها على تجارة وتهريب المخدرات كمورد غير مستدام، فضلاً عن عدم تجانس مجموعاتها المسلحة المشكلة للكتل العسكرية، وعليه، فإن استعادة الدولة للشرق وتراجع “قسد” يعني تجفيف المنبع المالي الذي كانت تراهن عليه تيارات الانفصال في الغرب والجنوب، مما يضع السويداء والساحل أمام حقيقة انعدام الخيارات: فمع سقوط النموذج الأقوى “قسد”، تتهاوى تلقائياً النسخ الأضعف منه في بقية الأطراف.
ثالثاً: انعكاس انحسار “قسد” على المفاوضات السورية – الاسرائيلية
شكّل تراجع نفوذ “قسد” في شرق الفرات متغيراً نوعياً في معادلة التفاوض بين الحكومة السورية واسرائيل، فلطالما نظرت الاستراتيجية الإسرائيلية إلى كيانات مادون الدولة في سورية (قسد في الشرق وتيار الهجري في الجنوب) بوصفها أوراق ضغط وظيفية يمكن استخدامها لتحقيق المتطلبات التفاوضية الاسرائيلية وإضعاف موقف دمشق في الجولات التفاوضية، أو كخيارات بديلة ضمن ما يُعرف تاريخياً ضمن السياسية الاسرائيلية بـ “عقيدة المحيط ” Periphery Doctrine [10]، التي تعتمد على التحالف مع دول غير عربية محيطة بالدول العربية بالدرجة الأولى، والتحالف مع مكونات اثنية وعرقية في البلدان العربية بالدرجة الثانية وذلك بهدف كسر العزلة المفروضة عليها عربياً وصناعة أوراق قوة تفاوضية مع تلك الدول، إلا أن استعادة الجيش السوري السيطرة على الشرق، وصمت إسرائيل إزاء تراجع حليفها المفترض (قسد)، أثبتا فرضية مفادها أن دعم “الأقليات” بالنسبة لإسرائيل ليس “قناعة أيديولوجية” ثابتة، بل هو “ورقة مساومة” قابلة للتنازل، وذلك تجنباً للتورط في الشؤون الداخلية السورية، خاصة بعد عودة الطرفين لطاولة المفاوضات، وتخوف اسرائيلي من نسف المسار التفاوضي في حال تدخلها مجدداً[11].
ومن جانب الدولة السورية؛ كانت تهدف المفاوضات مع اسرائيل ماقبل المعارك مع “قسد” بشكل أساسي إلى: وقف الاعتداءات الاسرائيلية البرية والجوية، وقف التدخلات الاسرائيلية في الشأن الداخلي السوري وإبعاد احتمال التقسيم في حال دعمت اسرائيل إحدى الفواعل مادون الدولة ضد الدولة المركزية، ولكن ما بعد انحسار “قسد” تلاشى الهدف الثالث وأصبح الهدفين الأساسيين يتركزان في فكرة إيقاف التدخل الاسرائيلي وتوغله في الجنوب السوري، بهدف تحقيق الاستقرار بعد سيطرة الدولة السورية على مناطق سيطرة “قسد” سابقاً وعلى الموارد الاقتصادية التي كانت تحت سيطرتها، لذلك ضمنياً في حال استمر المسار التفاوضي ولم يتعثر، فلن يكون هناك تدخل اسرائيلي أيضاً في ملف السويداء لمؤازرة مطالب تيار الشيخ حكمت الهجري، وذلك في سبيل بلورة صفقة أمنية بين الطرفين.
وبالتالي؛ يمكن القول أن انحسار «قسد» أعاد ضبط موقع الشمال الشرقي في الحسابات الإسرائيلية من كونه مساحة محتملة للتأثير غير المباشر في الداخل السوري، إلى ملف أمني بات أقرب إلى أن يُدار عبر التفاهم مع الدولة السورية نفسها، فغياب فاعل محلي كان قادرا على فرض سلطة أمر واقع امتدت لأكثر من 10 أعوام، أو تمثيله لورقة ضغط اسرائيلية على الحكومة السورية بعد سقوط الأسد، يقلّص من جدوى الاستثمار الإسرائيلي في مقاربات «الوساطة عبر الفواعل دون الدولة»، ويدفع باتجاه التعامل مع دمشق مباشرة بوصفها الطريق الوحيد لإنشاء تفاهمات أمنية أكثر استدامة، ومن هذا الجانب، لا يشكّل تراجع «قسد» مجرد خسارة لحليف ظرفي محتمل، بل يعيد تعريف طبيعة البيئة التفاوضية، عبر تناقص عدد المتغيرات التي تستطيع اسرائيل تحريكها وذلك بهدف تقديم شروطها أو الضغط لتعقيد ظروف التفاوض على الدولة السورية، ورغم التغيرات في شمال شرق سورية، وا
ومن الجانب الاقتصادي؛ يعتبر استعادة الدولة السورية السيطرة على الموارد الاقتصادية والبنى التحتية في مناطق كانت خاضعة لـ«قسد»، تراجعاً لإمكانية توظيف الجماعات المسلحة لتلك القدرات الاقتصادية لاستنزاف الدولة، وخاصة في حال نشوء دعم اقتصادي متبادل بين الجماعات المسلحة في مختلف مناطق سيطرتهم في السويداء أو شمال شرق سورية، وبذلك يصبح ملف “قسد” ضمن المفاوضات السورية – الاسرائيلية ملفاً ضئيل الفاعلية في القيمة التقاوضية، مقارنة بملفات أخرى متعلقة بالتواجد الاسرائيلي في جنوب سورية، ويحول التفاوض إلى تفاوض بين دولتين حول قضايا أمنية مباشرة، بدلاً من التفاوض غير المباشر عبر جماعات مسلحة محلية.
رابعاً: مآلات “الحسم” في الشرق: إعادة تشكيل معادلة الاستقرار الداخلي
يمثّل حسم ملف “قسد” نقطة ارتكاز محورية في تحديد مسار الأوضاع الداخلية في سورية ضمن المرحلة الانتقالية الجارية، فلا يمكن وصف انحسار “قسد” وسيطرة الدولة السورية على أنه تغير في خرائط السيطرة وتقدم عسكري حققه الجيش السوري، بل هو عملية إعادة هندسة لبنية الدولة والمجتمع السوريين، تترتب على هذه العملية آثارًا تتوزع على ثلاث مستويات:
- استعادة “احتكار العنف”: ويتمثل وفقاً لمخرجات الاتفاق الأمني عبر دمج التشكيلات العسكرية الكردية ضمن الجيش، وبالتالي إدخالهم في مسار توحيد العقيدة العسكرية، وزيادة قدرة الدولة على “احتكار العنف” في ظل تآكل هذا المبدأ خلال سنوات الثورة بسبب سلوك الدولة في ظل نظام الأسد، وبالتالي إنهاء وجود كيان عسكري مثل “قسد” يملك سلاحاً ثقيلاً، وعقيدة قتالية تراكمية، يُزيل أحد أكبر مهددات السلم الأهلي، ويمنع احتمالية اندلاع حروب استنزاف داخلية طويلة الأمد ويحول الطاقة العسكرية لهذا الكيان، إلى عنصر ضمن منظومة عسكرية وطنية.
- الانتقال من “اقتصاد التهريب” إلى “اقتصاد الدولة” : كانت الموارد الاقتصادية الأساسية ( النفط، الغاز، الحبوب) تدخل ضمن شبكة تجارية غير رسمية، بين ثلاثية ( نظام الأسد وحلفائه – “قسد” – “داعش”)[12]، وبعد سقوط الأسد حافظت “قسد” على تلك الشبكات غير الرسمية، ولذلك كان استرداد تلك الموارد بعد المعارك الأخيرة بين الحيش السوري و”قسد” يمثل عودة دورة الانتاج والتوزيع إلى القنوات الرسمية، وبالتالي هذا الاسترداد يحمل بُعدين مهمين: تحسناً في مؤشرات الاقتصاد الكلي عبر رفد الخزينة العامة مالياً، وتفكيك لحالة “اقتصاد التهريب” الذي تُستخدم عائداته لمواجهة الدولة المركزية، وبالتالي في هذه الحالة تعود الدولة لآخذ “وظيفتها الرعائية – Welfare State) ولو بالحد الأدنى، مما يُشكل ترميماً مبدئياً للعقد الاجتماعي عبر توزيع الموارد على كل المساحة الجغرافية في محاولة لتقليص الفجوة المعيشية بين المحافظات.
- من “إدارة المكونات” إلى “المواطنة”: لم يكن انحسار “قسد” مرتبطاً بتراجع عسكري لمشروع منظم، بل انحساراً لمشروع يفرض تمثيله على مكون ليفاوض بدلاً عنه الدولة المركزية، وبالتالي تزامن هذا الانحسار مع إعلان المرسوم (13)[13]، الذي نقل النخب والمجتمع الكردي بشكل قانوني من خانة “القيد المكتوم” إلى خانة “المكون الأصيل” الممثل تحت سقف الدولة، كما وضع المرسوم الدولة أمام اختبار يقيس مدى قدرتها على التحول من “إدارة المكونات” إلى دمجهم في الإدارة المحلية والمركزية، ونجاحها في هذا الاختبار سيُفضي إلى سحب ورقة الخطاب القومي أو الطائفي الانعزالي (في السويداء)، ويرسم أن الحل في سورية ليس في التقوقع بل في الاندماج والحوار السياسي.
وبناء على ماسبق، يعتبر طي صفحة “قسد” هو بداية تفتح مساراً جديداً لمقاربة وطنية داخلية، ويعكس هذا المسار قدرة الدولة السورية على استثمار “الانتصار الميداني” وتحويله إلى “انتصار اجتماعي” عبر الآليات التنفيذية التي سترسم ملامح تطبيق المرسوم (13).
خاتمة
لا يمكن اختزال “الحسم” في شرق الفرات، في كونه مجرد تبدلات في خرائط السيطرة العسكرية لصالح الجيش السوري، بل مثلت لحظة انكشاف لمشاريع “اللامركزية” التي تضخمت ما بعد 2011 وتبلورت العلاقات بينها بعد سقوط الأسد، حيث أثبتت التطورات الميدانية أن هذه المشاريع، سواء كانت “قسد” في الشرق أو محاولات تيار الهجري في السويداء، كانت تعتمد بشكل عضوي على تقوية الأطراف في سبيل إضعاف المركز وتغييب سيطرته على الموارد الاقتصادية، وبالتالي فإن استعادة الدولة لهذه الموارد (النفط والغاز) لم تسقط فقط القوة العسكرية لتلك الفواعل، بل جففت المنابع التي كانت تغذي طموحات الانفصال في بقية الأطراف (تياري غزال والهجري).
وقد أفضى انهيار نفوذ “قسد” إلى تداعي “ثلاثية الانفصال” (“قسد”، تيار الهجري في السويداء، تيار غزال في الساحل) التي حاولت فرض وقائعها على الدولة، إذ تبين أن العلاقة بين هذه المناطق كانت علاقة وظيفية تعتمد على “قسد” كنموذج ورافعة مالية، ومع غياب هذه الرافعة، فقدت تيارات “الحكم الذاتي” في السويداء والساحل مقومات استمرارها، وعادت لتواجه خياراً حتمياً وهو الانخراط ضمن سقف الدولة المركزية، خاصة بعد أن سقطت المراهنة على العامل الخارجي، وتحديداً الاسرائيلي، الذي غلّب مصالحه الأمنية مع الدولة المركزية على دعم “الكيانات” الوظيفية.
وفي الختام، فإن تلازم المسار العسكري مع المسار التشريعي المتمثل في المرسوم رقم (13) والاتفاق الشامل، يؤسس لمرحلة جديدة تنتقل فيها الدولة السورية من “إدارة المكونات” إلى “الاندماج في الدولة”، حيث لم يعد دمج المكون الكردي خياراً تفاوضياً بل ضرورة لاستكمال “الشرعية التمثيلية” للمجلس التشريعي القادم، وبالتالي فإن التحدي المستقبلي لم يعد يكمن في فرض السيادة العسكرية التي تحققت فعلاً في شرق سورية، بل في قدرة الدولة على تحويل هذا الانتصار العسكري والموارد المستعادة إلى استقرار مجتمعي مستدام ينهي فلسفة قيام كيانات موازية، ويحول المرسوم رقم 13 من نص قانوني إلى أدوات تنفيذية تنهي حالة “القيد المكتوم” وتُشجع كل المكونات إلى الاندماج بدلاً من الاستعصاء السياسي والعسكري.
[1] كبار المسؤولين في الاتحاد من أجل المتوسط يجتمعون في بروكسل لدفع استراتيجية جديدة والترحيب باستئناف عضوية سوريا، الاتحاد من أجل المتوسط، تموز/يوليو 2025 وشوهد في 22 كانون الثاني/يناير 2026 https://bit.ly/49Q7xdR
[2] عناصر من فلول النظام وميليشيا “قسد” يتمركزون على جبهة دير حافر، زمان الوصل، 17 كانون الثاني/يناير 2026 وشوهد في 22 كانون الثاني/يناير 2026 https://bit.ly/3NWZIvj
[3] مقتل عسكري سوري بهجوم لـ”قسد” على مواقع للجيش وأحياء سكنية بحلب، وكالة الأناضول، 06 كانون الثاني/يناير 2026 وشوهد في 27 كانون الثاني/يناير 2026 https://bit.ly/3Z3q01v
[4] Syria signs gas cooperation deal with ConocoPhillips and Novaterra, Reuters, 18 NOV 2025 https://bit.ly/45znQKL
[5] Syria begins oil extraction at recently controlled fields, Middle East Online (MEO), 24 JAN 2026 https://bit.ly/4a2FMyB
[6] Hatahet, Sinan. “The Political Economy of the Autonomous Administration of North and East Syria.” European University Institute (EUI), Robert Schuman Centre for Advanced Studies, Wartime and Post-Conflict in Syria Project (WPCS), 2019. https://bit.ly/4a2c4Kc
[7] United Nations Economic and Social Commission for Western Asia (UN-ESCWA) and BGR. Inventory of Shared Water Resources in Western Asia. Chapter 1: Euphrates River Basin. Beirut, 2013. https://bit.ly/3MjTAwR
[8] قوى في السويداء تناقش إمكانية تطبيق نموذج الإدارة الذاتية، ANF News، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وشوهد في 01 شباط/فبراير 2026 https://bit.ly/4rvpGVv
[9] تشكيل مجلس عسكري جديد في السويداء، 23 شباط/ فبراير 2025، شوهد في 06 آذار/ مارس 2025، https://archive.md/ByK9e
[10] Zielińska, K. (2020). Israel’s periphery doctrine: prospects for defining and studying a foreign policy practice. Politické vedy.
[11] Carmit Valensi, The End of Kurdish Autonomy? The Clashes with the Syrian Regime and Their Implications, The Institute for National Security Studies (INSS), 19 JAN 2026 https://bit.ly/4kcnv6z
[12] موّل فيلق القدس وحزب الله.. من هو براء قاطرجي الذي اغتالته إسرائيل؟، العربية نت، 15 تموز/يوليو 2024 وشوهد في 02 شباط/فبراير 2026 https://bit.ly/4te12u5
[13] الرئيس الشرع يصدر مرسوماً بخصوص المواطنين السوريين الكرد، وكالة سانا، 16 كانون الثاني/يناير 2026 وشوهد في 02 شباط/فبراير 2026 https://sana.sy/presidency/2376054/


