ملخص
تتناول الورقة قضية أبناء المعتقلين والمغيّبين قسرًا خلال سنوات الثورة في سورية، حيث برزت القضية كملفّ شائك حقوقيًا بعد سقوط نظام الأسد، بسبب تعرّض هؤلاء الأبناء لانتهاكات متراكبة شملت تغييبهم وسلب هوياتهم وتغيير أنسابهم، في عمليةٍ يبدو أنها ممنهجة، وذلك من خلال تورط مؤسسات النظام وبعض دور الرعاية بتوجيه منه فيها. تنطلق الورقة من تحليل مقارن مع تجربة منظمة “جدّات دي مايو” الأرجنتينية التي تمكّنت من صوغ تجربة مؤسساتية لاستعادة أبناء المعتقلين الذين غُيبوا خلال الحكم العسكري للأرجنتين (1976-1983)، إذ تستفيد الورقة من تلك التجربة لتفكيك عملية “التغيير الهوياتي” التي نفّذها نظام الأسد.
Table Of Content
- 1. آليات التأسيس والعمل الداخلي
- 2. آليات الحصول على الدعم المحلي والدولي
- 3. آليات العمل الداخلية
- 4. إنجازات المنظمة (1984-2025)
- 1. سياسة نظام الأسد اتجاه أبناء المعتقلين المغيبين
- 2. التعامل الحكومي مع الملف بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024
- 1. على صعيد الهكلية المؤسساتية
- 2. آليات للحصول على دعم
- 3. آليات التواصل مع عائلات الضحايا
- 4. مسارات إضافية مستلهمة من التجربة الأرجنتينية
تشرح الورقة آليات عمل النموذج الأرجنتيني، بدءًا من بداية فكرة “جدات دي مايو”، ومرورًا بـ “مؤشر الجدودة (الأسلاف)” المبتكر في علم الوراثة، وصولًا إلى تدويل قضية أبناء المعتقلين حقوقيًا، وكيف استطاعت المنظمة مأسسة عملها، وذلك بهدف قياس مدى إمكانية تطبيق هذه الآليات في السياق السوري المعقد الذي يعاني من إرث “أمننة” القطاع المدني، حيث تحولت بعض دور الرعاية إلى وسيط أمني. كما تُقيِّم الورقة سياسة الحكومة السورية، في ملف أبناء المعتقلين، بعد سقوط نظام الأسد، لتأكيد ضرورة الانتقال من المبادرات الإدارية إلى وضع استراتيجية تُشرك ذوي الضحايا في الملف وتجعلهم فاعلين أساسيين، وليس منخرطين في الهيئات الحكومية فحسب.
تخلص الورقة إلى تقديم مقترح لـ “نموذج سوري”، من أجل استعادة هوية أبناء المغيبين، ويركّز المقترح على ثلاث نقاط أساسية: بناء كيان مدني مستقل لعائلات الضحايا، بما يضمن استمرار الضغط بعيدًا من احتمالية ركود الملف حكوميًا، وتأسيس بنك وطني للجينات، ليكون مرجعية علمية لإثبات النَّسب، وتأسيس “أرشيف الهوية”، لحفظ ذاكرة العائلات من أجل الأطفال المستعادين مستقبلًا، بعد إثبات نسبهم. وتؤكد الورقة أن نجاح هذا المسار يُعدّ ركيزة أساسية في مسار العدالة الانتقالية، وغايتها إعادة الأبناء لنسبهم، ومساءلة المتورطين في عملية الإخفاء والتغييب.
مقدمة
عقب سقوط نظام الأسد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024؛ ظهرت قضية أبناء المعتقلين الذين أخفاهم نظام الأسد كقضية معلّقة، فقد كان اعتقال أحد الوالدين أو كليهما يُفضي في حالات إلى اعتقال أطفالهم معهم، مع إخفاء مصيرهم، وشأنهم في ذلك شأن ذويهم، وبعد سقوط النظام تبيّن أن مصير أولئك الأطفال كان الإيداع في دور رعاية تابعة للنظام، أو تسليمهم إلى عائلات بديلة، أو حتى تغيير هوياتهم تمامًا، وهنا يكون الطفل وقع ضحية لمرتين: مرة بفقده لوالديه، ومرة حين فقد هويته عبر تغيير نسبه.
وفي سياق البلدان التي شهدت تحوّلًا سياسيًا وأحداثًا مشابهة، تُظهر تجربة الأرجنتين تشابهًا على صعيد سلوك النظام الدكتاتوري بشأن التعامل مع أبناء المعتقلين، ولمواجهة هذا الملفّ المعقد في الأرجنتين، نشأت منظمة “جدات دي مايو (Abuelas de Plaza de Ma)”، عقب مرحلة الدكتاتورية العسكرية التي حكمت البلاد بين عامي 1976 و1983، بوصفها ردًّا على سلوك النظام في اختطاف أبناء المعتقلين وتزوير هوياتهم[1]، وتسليمهم إلى عائلات مقرّبة منه (النظام العسكري الحاكم)، ولقد تمكّنت المنظمة حتى عام 2025 من التحقّق من هوية 140 شخصًا غُيِّبت أنسابهم، وإعادة ربطتهم بعائلاتهم[2].
من هذا التشابه تنبثق أسئلة الورقة الآتية: كيف تأسست منظمة “جدات دي مايو”؟ وكيف صاغت آليات عملها؟ ما الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية بعد سقوط الأسد، في ملف أبناء المعتقلين؟ وكيف يمكننا الاستفادة من تجربة “جدات دي مايو” وتكييفها مع الواقع السوري؟، تعتمد الورقة منهجًا مقارنًا يستند إلى تحليل التجربة الأرجنتينية، بحسب الأدبيات المتاحة، وإلى قراءة المسار المؤسسي الذي اتخذته الدولة السورية، عبر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بناءً على الوثائق الرسمية الصادرة عنها وعن لجنتها التحقيقية المختصة بأبناء المعتقلين المغيبين، وصولًا إلى وضع إطار قابل للتنفيذ بشأن آلية يمكن تطبيقها عمليًا.
ولا تنطلق المقارنة بين التجربتين من فرضية وجود تطابق بينهما، بل تعتمد على مقاربة انتقائية تستلهم من التجربة الأرجنتينية بعض العناصر، من مثل تنظيم بحث العائلات عن أبنائها، وتسخير علم الوراثة في البحث، وبناء ذاكرة من أجل ترميز الضحايا واستفادة الأبناء العائدين منها، بغية تكييف هذه العناصر مع الواقع السوري، علمًا أن “جدات دي مايو” نشأت في سياق دولة خرجت من حكم عسكري استمر 7 سنوات، بينما تضمنت الحالة السورية امتدادًا زمنيًا أكبر، وشهدت تورّط دور رعاية وجهات “مدنّية” في الإخفاء وتغيير الأنساب، لذلك لا تهدف الورقة إلى نقل النموذج الأرجنتيني وتطبيقه على الواقع السوري، بل معرفة ما يمكن استلهامه منه.
أولًا. تجربة الأرجنتين: منظمة “جدات دي مايو”
في آذار/ مارس 1976 وقع انقلاب عسكري في الأرجنتين بقيادة خورخه رافائيل فيديلا (Jorge Rafael Videla، 1925-2013)، وأطلق خورحه مشروع “إعادة التنظيم الوطني” الذي تضمّن حملة اعتقال للمعارضين له، وكان من ضمن المعتقلين سيدات حوامل، وقد أُجبِرن على الولادة في المعتقل، فضلًا عن اعتقال أطفال مع عائلاتهم، وقد نُقل عددٌ منهم إلى أُسر ضباط في الجيش وغيّرت هوياتهم، ويُقدّر عددهم بنحو 500 طفل[3].
ولكن ردًا على ممارسات النظام الانقلابي، ظهرت بوادر حراك اجتماعي، ومنها تجمّع لأمهات وجدّات المعتقلين عام 1977 أمام مقرّ الحكومة، وقد تحوّل الحراك إلى شكل منظم، عبر توزيع المهام بين الأمهات والجدات إلى مجموعتين: مجموعة للضغط على الحكومة للكشف عن مصير المعتقلين، ومجموعة للبحث عن الأطفال المولودين في المعتقل والمختطفين الذين غيَّر النظام أنسابهم. وعُقد أول اجتماع تأسيسي منظّم في تشرين الأول/ أكتوبر 1977 تحت اسم منظمة “جدات أرجنتينيات بأحفاد مختفين”، ثم تغيّر اسم المنظمة وأضيف إلى اسم الميدان الذي كنّ يتجمّعن فيه، فبات اسمها منظمة “جدّات دي مايو”[4]. من الجانب القانوني، بدأت المنظمة بحراك عائلي تقوده أمهات وجدّات المعتقلين المغيبين قسريًا مع أطفالهم، ولم تكن مرخّصةً في بداية عملها، بسبب قمع النظام العسكري لنشاط المجتمع المدني، ثم رُخّصت لاحقًا بعد سقوطه كمنظمة مجتمع مدني مستقلة[5].
1. آليات التأسيس والعمل الداخلي
اعتمدت المنظمة منذ تأسيسها على ثنائية النضال السياسي والعمل القانوني، والبُعد العلمي المرتبط بالهندسة الجينية.
- النضال السياسي
بدأت أمّهات وجدّات المعتقلين المغيبين مع أطفالهم الضغطَ المنظّم على السلطة العسكرية، ثم على الدولة الأرجنتينية الناشئة بعد عام 1984، وذلك من أجل الكشف عن مصير أبناء المعتقلين ومعرفة هوياتهم الحقيقية، وتحويل قضية أبناء المعتقلين المغيبين إلى قضية حاضرة حقوقياً واعلامياً وسياسيا [6].
- البنية التنظيمية
تميّزت البنية التنظيمية لمنظمة “جدّات دي مايو” بالمرونة، إذ اعتمدت في انطلاقتها على هيكل إداري أفقي، بقيادة أعضاء مؤسسين يتخذون قراراتهم بالتشاور، ثم تطورت بنيتها مؤسساتيًا، وصارت تضم مجلس إدارة منتخبًا ورئيسًا، واعتمد عملها على مبدأ الوحدات الجغرافية في مختلف مدن الأرجنتين، مع وصول المنظمة إلى عددٍ من الأطفال الذين غُيّرت أنسابهم، ومع تقدّم عمر الجدات والأمهات؛ عدَّلت المنظمة من نظامها الأساسي لكي يضم إلى هيئاتها القيادية أشخاصاً من الأبناء المستعادين (Nietes)[7].
- العمل القانوني والقضائي
لم يقتصر نشاط المنظمة على البحث عن أطفال معتقلين مغيبين فحسب، بل شمل بعدًا قضائيًا منظمًا أيضًا، وقد مثّلت المنظمة عائلات الضحايا ورافقتهم أمام القضاء، وحضَّرت الملفات القانونية المتعلقة بالأطفال المخطوفين، إذ كان عمل المنظمة ضمن محورين: أولهما، البحث في الملفات الإدارية والقضائية عن وثائق التبني وسجل الولادات التي سُجلت في مرحلة الحكم العسكري (1976-1983)[8]، واعتماد مبدأ الشك في كل قضايا التبنّي خلال تلك المرحلة، بناءً على افتراض أن التبني قد يكون غطاءً قانونيًا لتغيير نسب أبناء المعتقلين المغيبين، ثانيهما، تحويل نتائج البحث في الملفات القضائية والإدارية إلى المحكمة، من خلال تقديم الأدلة ومرافقة العائلات، وملاحقة المتورطين في جرائم إخفاء نسب الأطفال والتبني المزور[9]. من ثم، لم يكن المركز القانوني للمنظمة جهة هدفها ترميز الضحايا والمطالبة بمعرفة مصير الأبناء فحسب، بل كانت فاعلًا حقوقيًا، وقد كانت ترفع القضايا القضائية وتساند العائلات ضمن مسارات التقاضي. من جانب آخر، أسهمت المنظمة من خلال عملها القانوني في تحصيل الاعتراف القضائي بالفحص الجيني (DNA)، كدليل أمام القضاء لإثبات النسب منذ عام 1984[10].
- العمل العلمي: علم الجينات للوصول للأحفاد
في عام 1982 سافر وفدٌ من المنظمة إلى نيويورك للقاء عالم الجينات الأرجنتيني فيكتور ب. بنشازاده (Victor B. Penchaszadeh)، وكان سؤال الوفد يتمحور حول القدرة على معرفة هوية الأفراد عن طريق عينات من دمهم، ولم يكن تحديد ارتباط النسب عن طريق تسلسل الحمض النووي متاحًا حينذاك، ولم تكن معرفة نسب الأطفال ممكنة إلا بفحص عينات من دم الأب. بناء على سؤال الوفد، شكَّل بنشازاده فريقًا طبيًا، بقيادة عالمة الوراثة الأميركية ماري- كلير كينغ (Mary-Claire King)، مع علماء رياضيات[11]. ووُضعت المسودة الأولى للمؤشر الذي يمكن عن طريقه اكتشاف النسب، واستُخدم أول مرة عام 1984، وقد استُعيدت باولا إيفا لوغاريس (Paula Eva Logares)، بناءً على الحمض النووي لجدها وجدتها[12]، وأنشأ المؤتمر الوطني (البرلمان) في الأرجنتين عام 1987، بمشاركة “جدات دي مايو”، بنك تحديد هوية الأطفال المفقودين (BNDG)، الذي تولى مهمة مزدوجة، وهي تحديد نسب الأطفال الذي اختفوا خلال الحكم العسكري، وحفظ عينات من أقارب الأطفال الذين اختفوا والأشخاص الذين يُشتبه في نسبهم[13].
2. آليات الحصول على الدعم المحلي والدولي
كان ظرف تأسيس المنظمة صعبًا في ظلّ النظام العسكري، لقمعه الحراك المدني عامةً، ولا سيما النشاط المتعلق بالمعتقلين، لكن منظمة الجدات استطاعت تحقيق تواصل خارجي من خلال مسارات عدة:
- التواصل مع منظمات حقوق الإنسان الدولية، كمنظمة العفو والجمعية الأميركية للنهوض بالعلوم، اللتين أرسلتا علماء إلى الأرجنتين لدعم بحث المنظمة عن الأطفال المغيبين.
- اللجوء إلى الضغط الدبلوماسي، والتواصل مع الإعلام مباشرةً، خلال تنظيم الأرجنتين كأس العالم عام 1978، فقد لاحقت المنظمة الصحفيين الأجانب الذين قدِموا لتغطية البطولة، وزودتهم المعلومات عن قضية اختطاف الأطفال وتغيير أنسابهم.
- بناء شبكة علاقات أطلقتها المنظمة باسم “الشبكة الدولية لحق الهوية”، التي امتدت لاحقًا لتشمل إيطاليا وإسبانيا وكندا والولايات المتحدة الأميركية. بذلك، تمكّنت المنظمة من بناء شبكة دعم خارجية تنوعت بين الدعم السياسي[14]، والعلمي والمادي[15]، [16].
| نوع الدعم | الجهة الداعمة | تأثير الدعم |
| سياسي دولي | الإدارة الأميركية (فترة جيمي كارتر)، البرلمان الأوروبي، منظمة الدول الأمريكية | الضغط على المجلس العسكري للاعتراف بالإخفاء القسري، وتدويل القضية في الأمم المتحدة |
| مادي | صندوق الأمم المتحدة لضحايا التعذيب، كنائس أوروبية، تبرعات فردية | تمويل الحملات الإعلامية، تغطية تكاليف المحامين والفحوصات الجينية |
| علمي | الرابطة الأميركية لتقدم العلوم | إنشاء مؤشر الجدودة (مؤشر إثبات النسب عن طريق الجدود) |
| مدني محلي | حركة السلام والعدالة (SERPAJ)، التجمعات النقابية والطلابية التي نشطت بعد سقوط النظام العسكري | تنظيم الفعاليات الجماهيرية لدعم المطالب |
أما على الصعيد الداخلي؛ لم يأت الدعم الحكومي لعمل المنظمة، إلا بعد انتخاب راؤول ريكاردو الفونسين (Raúl Ricardo Alfonsín، 1927-2009) رئيسًا عام 1983، ومنذ إنشائه، بات البنك الوطني للجينات الداعم الرئيس لعمل المنظمة، وما زال حتى اليوم[17].
3. آليات العمل الداخلية
على صعيد ديناميات العمل الداخلي، اعتمدت المنظمة على خمسة محاور عمل متوازية[18]:
- الاستقصاء والبحث، والتشجيع على التحقق من النسب: شكّلت المنظمة فرقًا للتحقيق في قضايا التبني، وشجّعت الأشخاص، الذين لديهم ريبة حول نسبهم، على تقديم عينة من حمضهم النووي لدى المنظمة.
- البنك الجيني: المشاركة في تأسيس بنك تحديد هوية الأطفال المفقودين، وتزويد البنك عينات دم الأسر الباحثة عن أبنائها، وتسهيل التواصل مع الأشخاص الذين يشكّون في نسبهم.
- الدعم الاجتماعي والنفسي: تقديم الرعاية النفسية لأسر المعتقلين الباحثة عن أحفادها، والأحفاد المستعادين، إدراكًا لحجم الصدمة التي ترتبط باكتشاف أحدهم نسبه الحقيقي[19].
- المسار القانوني والقضائي: المشاركة في تحضير ملفات قضايا الجرائم ضد الإنسانية المرتبطة بالنظام العسكري أمام المحاكم الأرجنتينية، وتقديم الأدلة عند اللزوم، وتمثيل أسر الضحايا في بعض الحالات[20].
- ترميز الضحايا: تنظيم فعاليات ثقافية وحملات لتثقيف الأجيال الشابة، لضمان عدم نسيان الجرائم التي ارتكبها النظام العسكري.
بالتالي، لم يكن عمل “جدات دي مايو” عبارة عن بحث عائلي عن أحفاد مفقودين فحسب، بل تحوّل إلى نموذج مؤسسي بمحاوره الخمس، بهدف إيجاد المغيبين من أحفادهم، وترميز الضحايا في الأجيال اللاحقة.
4. إنجازات المنظمة (1984-2025)
حتى تموز/ يوليو 2025؛ تمكنت منظمة “جدات دي مايو” من تحديد هوية 140 حفيدًا من الذين غيّر النظام العسكري نسبهم، وألحقهم بعائلات جديدة، ويُمثل هذا الرقم تقريبًا الأطفال المختفين والمقدر عددهم بـنحو 500[21]، ويمكن تقسيم إنجازات المنظمات على عدة مستويات:
- المستوى العلمي: أسهمت تجربة “جدات دي مايو” في إحداث تطور مهمّ ضمن علم الوراثة، ولإثبات النسب عبر الأجداد، أتاح إثبات القرابة بين الأحفاد والجدات أو الأجداد، في ظل غياب الآباء المختفين، وارتبط نضال الجدات بإدارج المواد 7 و9 و11 في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، وهي المواد التي يُطلق عليها “المواد الأرجنتينية”، وهي ترتبط بحق الطفل في الاسم والجنسية ومعرفة والديه، وحفظ هويته وعلاقاته العائلية، واستعادة هويته، عند انتزاعها بصورة غير قانونية[22].
- المستوى المؤسسي: المشاركة في تأسيس البنك الوطني للجينات (بنك تحديد هوية الأطفال المفقودين)، وهو ما زال يعمل حتى الآن[23].
- المستوى القانوني: إسهام المنظمة في تجريم التبني غير المشروع ضمن القانون، وتحويل الجناة إلى القضاء ومتابعة سير محاكماتهم[24].
- الإنجازات الحقوقية: حصلت المنظمة على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2003، وجائزة كلايد سنو ((Clyde Snow Award للعلوم الجنائية الإنسانية عام 2025.
- الاستمرارية المؤسساتية: تمكّنت المنظمة من ضمان استمرارية مشروعها الهادف للوصول إلى كل الأحفاد المغيبين، من خلال إدخال الأحفاد الذين اكتشفتهم المنظمة ضمن فريق الإدارة، ليواصلوا البحث عن البقية.
توضح هذه المستويات أن إنجاز المنظمة لم يقتصر على السعي لاستعادة الهويات الفردية لأطفال المعتقلين فحسب، بل أفرزت أثرًا مركبًا في العلم وحقوق الإنسان والقانون والذاكرة الجمعية العامة المحلية والعالمية، وقد تحوّلت قضية الأحفاد المختلفين من جُرح عائلي خاص إلى ملفّ وطني عام، ثم إلى ملف حقوقي دولي، وباتت نموذجًا من الممكن الاستفادة منه لتحويل الفقدان إلى بنية مؤسساتية حقوقية مستدامة، من أجل استعادة الحقوق ومحاسبة المتورطين في جريمة الإخفاء القسري للمعتقلين وأبنائهم.
وبالنسبة للحالة السورية؛ تظهر أهمية التجربة الأرجنتينة كونها تقدم ثلاث دروس قابلة للاختبار:
- ضرورة وجود كيان مدني مختص بأبناء المعتقلين المغيبين ومستقل عن الدولة، ولكنه ينسّق معها.
- أهمية تحويل عملية البحث عن الأطفال المغيبين من مطالبات حقوقية متفرقة لعائلات الضحايا إلى منظومة قانونية.
- الحاجة إلى ترميز الضحايا وحفظ ذاكرة الأسر، وعدّ ذلك جزءًا من استعادة الهوية من أجل الأطفال الذي قد يعثر عليها لاحقًا.
وتلتقي الدروس الثلاثة في أنها تبقى مشروطة بوجود إطار قانوني واضح، بالتزامن مع وضع آلية لحماية البيانات الجينية للعائلات والأبناء.
ثانيًا. ملفّ أبناء المعتقلين المغيبين بعد سقوط الأسد
1. سياسة نظام الأسد اتجاه أبناء المعتقلين المغيبين
اعتمد نظام الأسد منذ اندلاع الثورة عام 2011، سياسة مزدوجة في تعامله مع أبناء المعتقلين والمختفين قسريًا من قبل أفرعه الأمنية، فمن جهة، تعاملت أجهزته مع الأطفال كامتداد لملفات أهاليهم المعتقلين، واستخدمتهم أدوات للضغط والمساومة في عمليات تبادل الأسرى مع الفصائل المعارضة، أو لإجبار أفراد من العائلة على تسليم أنفسهم. من جهة أخرى، عزلت أبناء المعتقلين عن أسرتهم الكبيرة وبيئتهم الاجتماعية، فقد وُضعوا في دور لرعاية الأيتام داخل سورية، مع إخفاء أسمائهم ومنع التواصل معهم، وعدم السماح بالإفصاح عن أماكن وجودهم، إلا عبر موافقات أمنية مباشرة[25].
بعد سقوط نظام الأسد؛ تبيّن أن عملية إخفاء هوية أطفال المعتقلين لم تكن نتيجة حالات فردية مرتبطة بطبيعة المعتقل أو دوره المعارض ضد النظام، بل اتخذت طابعًا شبه مؤسساتي، وتورطت فيه أجهزة أمنية ودور لرعاية الأيتام ومؤسسات حكومية، فقد أُخفي ما لا يقلّ عن 232 طفلًا في دور رعاية الأيتام[26]، من بينهم أطفال رُضّع، ما يعني أن الهدف لم يكن إخفاء أطفال بعمر معيّن، بل إخفاء الطفل الذي يكون جزءًا من عائلة مطلوبة أمنية أو مرتبطة بمعتقلين ومطلوبين. و ضمن شبكة الإخفاء وردت أسماء دور عدة لرعاية الأيتام، ومنها “دار الرّحمة”، “لحن الحياة”، “المبرة النسائية”، “قرى الأطفال (SOS)”، وتحوّلت بعض دور رعاية الأيتام، في ظل نظام الأسد، بعد انطلاق الثورة، من كيان مهمته تقديم الحماية الاجتماعية للأطفال، إلى فاعل وسيط ضمن منظومة أمنية تقع على عاتقها مهمة إخفاء أبناء المعتقلين.
ضمن هذا السياق، اعترفت منظمة قرى الأطفال بأن مؤسسات تابعة للنظام أحضَرت عددًا كبيرًا من الأطفال إلى القرى، بين عامي 2013 و2018، من دون أوراق ثبوتية كافية، وبلغ عددهم 140 طفلًا، وأكدت أن النظام استعاد 104منهم لاحقًا، من دون أن تكون المنظمة قادرة على معرفة مصيرهم[27].
2. التعامل الحكومي مع الملف بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024
بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحوّل ملف أبناء المعتقلين من قضية إنسانية تحمل شهادات متفرقة، وبعض التسريبات من دور رعاية الأيتام، إلى ملفّ في حاجة إلى عمل مؤسسي منظم. يأتي تعقيد الملف من ثلاثية متداخلة، وهي:
– سعي العائلات لمعرفة مصير أبنائها وأحفادها، وحق الأطفال في استعادة أسرهم الحقيقية.
– مسؤولية الدولة في متابعة أنماط الإخفاء التي صنعها نظام الأسد عبر المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.
– مسار مرتبط بمحاسبة المتورطين في عملية إخفاء أبناء المعتقلين وتغيير أنسابهم
ولتعقيد الملف؛ لا يمكن تفكيكه ضمن مبادرات فردية، بل هو حاجة إلى إطار وطني يعمل ضمن مسارات متوازية تضم جانبًا إداريًا وقانونيًا، لتتبع القرارات وهرمية إصدار الأوامر المرتبطة بالإخفاء، وجانبًا للدعم الاجتماعي والنفسي لأسر الضحايا. لذلك، حاولت الحكومة السورية الناشئة اتخاذ خطوات مرتبطة بملف أبناء المغيبين قسريًا، كالآتي:
تشكيل “لجنة الكشف عن مصير أبناء المعتقلين والمعتقلات والمغيَّبين والمغيَّبات قسرًا”
أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في 21 أيار/ مايو 2025، القرار رقم (1806) القاضي بتشكيل ” لجنة الكشف عن مصير أبناء المعتقلين والمعتقلات والمغيَّبين والمغيَّبات قسرًا”[28]، وتشكلت اللجنة من أربعة ممثلين عن أربع وزارات هي: الشؤون الاجتماعية والعمل، الداخلية، العدل، الأوقاف، بالإضافة إلى ممثلين عن أسر الضحايا، ومنظمات مجتمع مدني. عقدت اللجنة أول اجتماعاتها في مقر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل[29]، وتشمل صلاحيات اللجنة الوصول الكامل إلى الأوراق الإدارية، وملفات دور الرعاية التابعة للوزارة، وجمع الشهادات، والتنسيق مع وزارتي العدل والداخلية، في ما يخص تسليم الوثائق والبيانات، ويرتبط عمل اللجنة بإطار يضم أربع وزارات و “الهيئة الوطنية للمفقودين”[30].
آليات العمل التوثيقي والميداني
اعتمدت اللجنة في عملها على محاور إجرائية عدة، لفهم طبيعة المنظومة الأمنية التي أخفت مصير أبناء المعتقلين والمغيبين قسريًا:
- الرصد التاريخي والأرشفة الرقمية: بدأت اللجنة رقمنة أرشيف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، منذ عام 2011 حتى عام 2024، وذلك بالتعاون مع “المركز الدولي للعدالة الانتقالية”، بهدف جمع صور الأطفال في سجلات دور الرعاية، ووثائق “سجون الأحداث”، وإجراء المطابقة بينها وبين بلاغات أهالي المعتقلين[31].
- متابعة تزوير هويات وأنساب الأطفال: وجدت اللجنة أن نظام الأسد كان يُدخل أطفال المعتقلين بأسماء وهمية إلى دور الرعاية، بصفة “مجهولي النسب”. من ثم اضطرت اللجنة إلى استخدام أنظمة تعتمد على البحث عن طريق “الصورة” واستقبال الشهادات الشفهية[32].
- متابعة “عقود الإلحاق”: تعمل اللجنة على مراجعة 620 حالة لأطفال ألحقوا بعائلات أخرى، بين عامي 2011 و2024، للتحقق من أن هؤلاء الأطفال هم من أبناء المعتقلين الذين غيّر نظام الأسد هوياتهم[33].
إنشاء قناة للتواصل والاستشارات: أنشأت اللجنة قناة تواصل مباشر، عبر “خط ساخن” لتلقي المعلومات، مع خط آخر مخصص لمساعدة الأهالي في فهم المسارات القضائية، عبر تقديم الاستشارات القانونية لهم[34].
- إجراءات قانونية ومساءلة: أوقفت الدولة السورية عددًا من مديري الجمعيات الخيرية، بتهمة الاشتباه في تورطهم بإخفاء أبناء المعتقلين، بسبب ادعاءات شخصية من أهالي الضحايا على هؤلاء المديرين[35]، وأوقفت أشخاصًا معنيين بملف الأطفال المفقودين، في أثناء إقامتهم في دور الرعاية[36].
تحليل إنجازات اللجنة عبر البيانات الإحصائية
بناء على التقارير الصادرة عن اللجنة ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، حتى شهر نيسان/ أبريل 2026، يمكننا تلخيص النتائج بالآتي:
| مؤشر العمل | التفاصيل |
| إجمالي عدد الأطفال الموثق إيداعهم في دور الرعاية | 314 طفلًا من أبناء المعتقلين والمغيبين قسرًا[37] |
| عدد الأطفال الذي عادوا لذويهم | 194 طفلًا تحققت اللجنة من وصولهم إلى عائلاتهم[38] |
| عدد الحالات المودعة في جمعية قرى الأطفال SOS | 140 طفلًا تتبعت 106حالة منهم[39] |
| ملفات دور الرعاية (2011-2015) | انتهت اللجنة من أرشفتها وتدقيقها[40] |
| أطفال الدكتورة المعتقلة رانيا عباسي | الإعلان عن استشهادهم جميعًا[41] |
ثالثًا. تجربة “جدات دي مايو” كمرجعية عملية في الحالة السورية
إنّ الاطلاع على تجربة “جدات دي مايو” من شأنه الإفادة في إنجاح التجربة السورية، مع وجود جوانب اختلاف في الحالة السورية، من ذلك أن المجتمع المدني الأرجنتيني لم يتورّط في عملية الإخفاء، ما سهّل عليه بعد انهيار النظام العسكري الانخراطَ في دعم جهود “جدات دي مايو”، في حين اخترق نظام الأسد المجتمع المدني وسخّره لخدمة النظام، وتورط في جرائم الحرب في بعض الأحيان، من مثل الاتحاد الوطني لطلبة سورية[42]، وبعض الواجهات “المدنية” التي صنعها[43]. ويمكننا استخلاص مبادئ وهياكل تنظيمية وآليات عملت عليها “جدات دي مايو”، وتكييفها مع الهياكل القانونية في الحالة السورية، عبر المسارات الآتية:
1. على صعيد الهكلية المؤسساتية
الاستقلالية مع المحافظة على التنسيق مع الحكومة
يوضح النموذج الأرجنتيني أن ما منح “جدات دي مايو” حريتها، في التواصل خارجيًا مع المنظمات الدولية وداخليًا مع ذوي الضحايا، هو استقلاليتها التامة عن الحكومة، بالتزامن مع تنسيقها العالي مع الحكومة، وتعاون الحكومة معها بصورة مستمرة. وبتطبيق هذه الاستقلالية على الحالة السورية، يقتضي الأمر بناء كيان مدني مستقل يُمثّل عائلات المعتقلين أنفسهم، ويعمل بالتوازي مع لجنة الوزارة الرسمية، من دون أن يكون تابعًا لها، مع وضع قواعد ناظمة للعمل بين الطرفين، ذلك أن إنشاء منظومة مدنية مستقلة يمثل عامل ضغط لمتابعة هذه الملفات، في حال أصاب المؤسسات الرسمية ركود في متابعاتها، وهو ما لا تستطيع الجهات الحكومية ضمانه.
عمليًا، يمكن أن يُرخّص هذا الكيان بصورة منظمة حقوقية مدنية، أو رابطة لعائلات ضحايا، وأن يكون هناك مذكرة تفاهم بينها وبين اللجنة الحكومية المُنشأة، على أن تتضمن مساحات تبادل المعلومات وقواعد سريّة العمل وآليات تمثيل عائلات المغيبين قسريًا، بحيث لا تكون المنظمة الناشئة بديلًا عن الدولة أو تابعة لها، إنما تكون جهةَ مساندة ومناصرة وتوثيق تعمل بالتوازي مع المسار الحكومي.
التخصص القطاعي
ينبغي أن تتخصص الهيئة بصورة واضحة في ملفّ أطفال المعتقلين، من دون إدارة ملفات متداخلة، مثل التميز الذي حصل بين منظمات “جدات دي مايو” ومنظمة “أمهات دي مايو” التي ركزت على مصير المعتقلين، ومحاربة جريمة الإخفاء القسري فحسب[44].
2. آليات للحصول على دعم
بناء شبكة علاقات خارجية: يتطلب الأمر بناء شبكة مدنية سورية في دول الاغتراب، خاصة في أوروبا والأرجنتين، لتأمين التمويل والوصول الإعلامي.
تمويل متنوع المصادر: يمكن أن يكون هناك دعم حكومي سوري، بالإضافة لتبرعات من الجاليات السورية في الخارج، ومِنَح من منظمات حقوقية دولية.
شراكات علمية دولية: على الصعيد السوري، يمكن الاستفادة من المركز الدولي للعدالة الانتقالية الذي بدأ التعاون مع اللجنة السورية في الأرشفة، ومن الممكن أيضًا الاستفادة من الفريق الأرجنتيني الجنائي (EAAF) الذي عمل مع “جدات دي مايو” في سياقات متماثلة. فقد أسهمت الشراكة بين الأخيرة وعلماء دوليين في تحقيق نقلة نوعية علمية غيّرت مسار عمل المنظمة بأكمله.
3. آليات التواصل مع عائلات الضحايا
تواصل متعدد المستويات: نجحت “جدات دي مايو” في بناء منظومة استقبال معلومات متعددة الأطراف، وجمعت من خلالها البلاغات المجهولة، ووفرت التواصل المباشر وتقديم البلاغات القضائية. في الحالة السورية، من الممكن تطوير منظمة تواصل واضحة، لتشمل خطًا ساخنًا آمنا تقنيًا (موجود بالفعل)، وبوابة إلكترونية آمنة لاستقبال المعلومات، وآليات متابعة مستمرة مع مقدمي المعلومات.
دعم نفسي كشرط لا خيار: لم تعدّ “جدات دي مايو” الدعمَ النفسي للعائلات والأطفال المستعادين خيارًا للعائلات أو خدمة ثانوية، بل عدّته أساسًا في عملها. في الحالة السورية ومع تراكم صدمات الاعتقال والفقد والتهجير في بعض الحالات، فإن دمج الدعم النفسي ضمن فرق صحة نفسية متخصصة في ملف أطفال المعتقلين ليس أمرًا هامشيًا، بل ضرورة لإنجاح عملية الدمج الأسري.
التواصل مع الأطفال البالغين: في التجربة الأرجنتينية، أصبح عدد من الأطفال المختطفين بالغين، من دون معرفة هوية أسرهم الحقيقية، وهذا ما ينسجم مع التجربة السورية، إذ أدى طول أمد الثورة السورية إلى تحوّل عدد من أطفال المعتقلين إلى بالغين بعد اعتقال ويهم منذ سنوات، وعاشوا بهويات غير حقيقية سنوات عديدة، وهنا لا تستطيع الهيئة إلزام أحد بالخضوع للفحص الجيني، ولذلك يجب التركيز على حملات التوعية، لتشجيع البالغين الذين يشكّون في أنسابهم أو الذين تم تبنيهم سابقًا على التقدم للفحوصات، عبر حملات منظمة عن طريق مشاهير، مثلما فعلت “جدات دي مايو” في الحالة الأرجنتينية.
4. مسارات إضافية مستلهمة من التجربة الأرجنتينية
ذاكرة الأسر: بنت منظمة “جدات دي مايو” ما دعته بـ “أرشيف الهوية” الذي يحوي صورًا ومقاطع فيديو وقصصًا شخصية للأسر الباحثة عن أبنائها، بهدف حفظه وعرضه على أطفال الأسر في حال العثور عليهم، ما يجعل الطفل على معرفة بتفاصيل أسرته بعد وفاة أحد أفراد أسرته أو كلهم. في الحالة السورية، هناك حاجة لحفظ ذاكرة الأسر، لتكون متاحة حين يُعثر على أطفال جدد مستقبلًا.
بنك الجينات: يعدّ البنك الوطني للجينات أداة أساسية ضمن عمل “جدات دي مايو”، لمعرفة هويات الأطفال، وكان إنشاء هذا البنك أولوية عند البرلمان الأرجنتيني، وتحتاج الحالة السورية إلى بنك مشابه مستقل عن الجهات الحكومية، لحفظ عينات أسر المعتقلين الراغبة في المشاركة، ما يجعل البنك مرجعًا جينيًا يفيد في مسارين: معرفة أطفال المعتقلين، ومعرفة هوية المعتقلين المُكتشفة رفاتهم ضمن المقابر الجماعية. من أجل ألّا يتحوّل البنك إلى أداة غير مضبوطة قانونيًا، وينبغي أن تُحدّد مسؤولية إدارته والرقابة عليه بصورة واضحة، وأن تؤخذ العينات الجينية بموافقة خطية وصريحة، وينبغي إنشاء نظام لحماية سريّة العينات والبيانات، وتحديد من يملك صلاحية الاطلاع عليها، وأن يكون استخدام نتائج الفحص أمام القضاء محصورًا بملفّ إثبات النسب واستعادة هوية الأطفال.
بناءً على المسارات السابقة، يمكن القول إن الهدف من استلهام تجربة “جدات دي مايو”، وصناعة نموذج سوري لحلّ إشكالية أبناء المعتقلين المغيبين ليس إجراء محاكاة شكلية، إنما بناء منظومة مدنية حقوقية صلبة تستمر عقودًا، وتكون قادرة على مواجهة حالة الاختراق “المدني” التي صنعها نظام الأسد، عبر عسكرة القطاع المدني وأمننته، ومعالجة تراكم الصدمات الاجتماعية في المجتمع السوري. من الممكن أن يكون ذلك عبر ثلاثية: الهيكلية المستقلة، والجانب العلمي عبر بنك للجينات، وحفظ الذاكرة عبر الأرشيف، ما يجعل هذه المسارات خارطة طريق تُسهم في استعادة الهوية المفقودة للأطفال. بذلك، تتحول المسارات من آليات تقنية إلى ركيزة ضمن مسار العدالة الانتقالية، في مرحلة الانتقال السياسي.
خاتمة
حاولت الورقة الإجابة عن أسئلتها عبر ثلاثة مسارات: تحليل تجربة منظمة “جدات دي مايو” الأرجنتينية منذ تأسيسها،كنموذج أفضى إلى نتائج عملية، وقراءة المسار الحكومي الذي سلكته الدولة السورية الناشئة، بشأن التعامل مع ملف أبناء المعتقلين والمغيبين قسريًا، ثم وضع إطار قابل للتطبيق بالاستفادة من التجربة الأرجنتينية التي تُظهر أن نجاح “جدات دي مايو” لم يكن نتيجة حراك عائلي عفوي، إنما نتيجة تراكم ثلاثة عوامل متكاملة: الاستقلالية المؤسساتية عن الجهات الحكومية، والتوظيف العلمي عبر استخدام علم الوراثة في إثبات الأنساب، وتحويل ملف أبناء المعتقلين المغيبين من ملف عائلي ومحلي إلى قضية ذات بُعد دولي، وفي السياق السوري، يُمثل قرار وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل (رقم 1806) بداية مؤسساتية أولى في الاتجاه الصحيح، عبر تخصيص مسار من أجل أبناء المغيبين قسريًا. لكن القرار يظلّ خطوة محدودة ضمن البنية الحكومية، لأن التجربة الأرجنتينية أثبتت أن الضغط والاستمرارية يكمنان في وجود كيان مدني مستقل يعمل بالتوازي مع الجهات الرسمية والتعاون معها، وليس ضمنها.
كما أظهرت الورقة وجود تقاطع بين الحالتين السورية والأرجنتينية، من ناحية ممارسات النظام الحاكم وإخفاء أطفال المعتقلين أو تغيير هوياتهم. في كلتا الحالتين، تجاوزت هذه الممارسات نمط الحالات الفردية إلى ممارسات ذات طابع شبه مؤسساتي، مما زاد الملفّ تعقيدًا، من لحظة اعتقال الآباء والأمهات حتى وصول الأبناء إلى سنّ البلوغ. على الرغم من هذا التشابه، فإن الحالة السورية تحمل صعوبات إضافية لم تكن حاضرة في الحالة الأرجنتينية، وأبرزها اختراق نظام الأسد المجتمع المدني وتطويعه أمنيًا، وظهور مؤشرات على تورّط بعض دور الرعاية في عملية إخفاء أبناء المعتقلين. ما يؤكد ضرورة تكييف تجربة منظمة “جدات دي مايو”، بما يراعي الواقع السوري.
انطلاقًا مما سبق، تقترح الورقة أن يُبنى النموذج السوري على ثلاثية عمل مترابطة: أولها إنشاء كيان مدني مستقل يُمثل عائلات المغيبين قسريًا، ويعمل بالتنسيق مع لجنة الوزارة، من دون أن يكون تابعًا لها، من أجل ضمان استمرارية الضغط، وكسب ثقة أكبر من قبل ذوي الضحايا. وثانيها منح أولوية لإنشاء بنك جينات وطني يكون ركيزة علمية لا يمكن الاستغناء عنها، في مسار الوصول لأبناء المعتقلين. وثالثها حفظ ذاكرة الأسر التي تبحث عن أبنائها، عبر بناء أرشيف رقمي منظم، ليكون مرجعًا حيًّا حين يُعثر على أبناء جدد في مراحل لاحقة.
ختامًا، يجدر تأكيد أن قضية أبناء المعتقلين والمغيبين قسريًا في سورية لا تقتصر على بعد إنساني مرتبط بمعرفة هويات الأبناء وإعادتهم إلى أسرهم فحسب، بل تُعدّ ركيزة من ركائز مسار العدالة الانتقالية، في مرحلة ما بعد الأسد، إذ تتشابك في القضية محاور المساءلة والذاكرة الجمعية للمجتمع السوري، وإعادة بناء الثقة المجتمعية بالمؤسسات. وإن كانت منظمة “جدات دي مايو” قد احتاجت إلى 40 عامًا لتحديد هوية 140 طفلًا من أصل 500 من المغيبين، فإن النتيجة الأساسية، بناءً على الزمن المستغرق للوصول إليها، تُفضي إلى أن المنظومة المؤسساتية هي الوحيدة القادرة على تحويل الجرح العائلي إلى أداة مستدامة تُعيد الهويات وترمّز الضحايا وتحوّل المتورطين إلى مسار المساءلة ضمن ملف العدالة الانتقالية.
المراجع
العربية
- زباد، يمان. “أدوات الأسد الناعمة: الاتحاد الوطني لطلبة سورية أنموذجًا”. عمران للدراسات الاستراتيجية (08/06/2023).
- …………….. “تفكيك واجهات الأسد «المدنية» ركيزة للعدالة الانتقالية: من «التحديث السلطوي» إلى استعادة المجال العام”. المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة (10/05/2026).
- حساب فيسبوك الرسمي لـ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية.
- الموقع الرسمي لـ الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).
الأجنبية
- Coles, Isabel. “A Family’s Decadelong Search for Children Stolen by Assad’s Regime.” The wall street Journal (07/06/2025).
- Córdoba, M. M. Ruiz and F. Alassia, “Biological Identity and ‘Restitution’ in Argentina: Further Critical Argument.” Principia. vol. 25 no 2 (2021).
- Evers, A. “Abuelas de Plaza de Mayo: Grandmothers United in the Search for Truth and Family Amid Dictatorship.” A Hart House Social Justice Committee Journal. vol. 2 no. 2 (2026).
- Kurtz, L. “The Mothers of the Disappeared: Challenging the Junta in Argentina (1977-1983).” International Center of Nonviolent Conflict (July 2010).
- Laino, F. “Abuelas de Plaza de Mayo y la búsqueda de los niños apropiados: repertorios de acción y estrategias políticas en dictadura y democracia.” Deusto Journal of Human Rights. no.10 (2022).
- Levy, M. L. “Searching for Life: The Grandmothers of the Plaza de Mayo and the Disappeared Children of Argentina by Rita Arditti.” Journal of Latin American Studies. vol. 32 no. 3 (Oct., 2000).
- M. Jurczuk, “Un análisis del trabajo de equipos asistenciales de salud mental que acompañan a los hijos de desaparecidos en el proceso de restitución de su identidad en Buenos Aires.” Independent Study Project (ISP) Collection (Spring 2015).
- Palacio, X. Díaz C. Lozano Martínez and M. Góngora-Mera, “Mothers of the Disappeared in Latin America and the Impact of Maternal Activism in the Development of International Law.” Yale Journal of International Law (26/01/2026).
- Rae, Maria. “Truth at Any Cost? Law’s Power to Name Argentina’s Disappeared Grandchildren.” Oñati Socio-legal Series. vol. 7 no. 2 (2017).
- Reyes, Nathan. “International Convention for the Protection of all Persons from Enforced Disappearance (2006).” in Faith in United Nations Human Rights Treaties: Legal and Religious Commentaries for Research and Peer-learning. M. Wiener, I. Salama and B. Nicolmann (eds.) (San José, Cairo and Oslo, 2026).
- Villela, C. “La genética forense como medio probatorio de crímenes contra la humanidad: Su impacto en causas judiciales de apropiación de niños y niñas durante el último terrorismo de Estado en la Argentina.” Revista Via Iuris. no. 29 (2020).
- Weis, V. V. “The Relevance of Victims’ Organizations in the Transitional Justice Process: The Case of the Grandmothers of Plaza de Mayo in Argentina.” Intercultural Human Rights Law Review. vol. 12 no. 2 (2017).
[1] Maria Rae, “Truth at Any Cost? Law’s Power to Name Argentina’s Disappeared Grandchildren,” Oñati Socio-legal Series, vol. 7 no. 2 (2017).
[2] ABUELAS DE PLAZA DE MAYO, accessed on 01/04/2026, at: https://www.abuelas.org.ar/
[3] “Argentina,” International Commission on Missing Persons, accessed on 01/04/2026, at: https://acr.ps/hBxWApo.
[4] Nathan Reyes, “International Convention for the Protection of all Persons from Enforced Disappearance (2006),” in Faith in United Nations Human Rights Treaties: Legal and Religious Commentaries for Research and Peer-learning, M. Wiener, I. Salama and B. Nicolmann (eds.) (San José, Cairo and Oslo, 2026), pp. 386, 414.
[5] Ibid.
[6] F. Laino, “Abuelas de Plaza de Mayo y la búsqueda de los niños apropiados: repertorios de acción y estrategias políticas en dictadura y democracia,” Deusto Journal of Human Rights, no10 (2022).
[7] Facundo Iglesia, “How the Grandmothers of Disappeared Children Drove a Revolution in Genetics,” Buenos Aires Herald (24/03/2023) accessed on 15/04/2026, at: https://bit.ly/48rnPKj
[8] Laino, ibid.
[9] Ibid.
[10] C. Villela, “La genética forense como medio probatorio de crímenes contra la humanidad: Su impacto en causas judiciales de apropiación de niños y niñas durante el último terrorismo de Estado en la Argentina,“ Revista Via Iuris, no. 29 (2020).
[11] Iglesia, ibid.
[12] Ibid
[13] Ibid
[14] “Mothers of the Plaza de Mayo campaign for democracy and the return of their ‘disappeared’ family members, 1977-1983,” Global Nonviolent Action Database, accessed on 10/04/2026, at: https://bit.ly/4d3Pja6.
[15] X. Díaz Palacio, C. Lozano Martínez and M. Góngora-Mera, “Mothers of the Disappeared in Latin America and the Impact of Maternal Activism in the Development of International Law,” Yale Journal of International Law (online) (26/01/2026) accessed on 10/04/2026, at: https://bit.ly/4w9j0PK.
[16] L. Kurtz, “The Mothers of the Disappeared: Challenging the Junta in Argentina (1977-1983),” International Center of Nonviolent Conflict (July 2010) accessed on 10/04/2026, at: https://acr.ps/hBxWAlV.
[17] Ibid.
[18] M. L. Levy, “Searching for Life: The Grandmothers of the Plaza de Mayo and the Disappeared Children of Argentina by Rita Arditti,” Journal of Latin American Studies, vol. 32 no. 3 (Oct., 2000).
[19] M. Jurczuk, “Un análisis del trabajo de equipos asistenciales de salud mental que acompañan a los hijos de desaparecidos en el proceso de restitución de su identidad en Buenos Aires,” Independent Study Project (ISP) Collection (Spring 2015), pp.16-19.
[20] V. V. Weis, “The Relevance of Victims’ Organizations in the Transitional Justice Process: The Case of the Grandmothers of Plaza de Mayo in Argentina,” Intercultural Human Rights Law Review, vol. 12 no. 2 (2017).
[21] A. Evers (2026), “Abuelas de Plaza de Mayo: Grandmothers United in the Search for Truth and Family Amid Dictatorship,” A Hart House Social Justice Committee Journal, vol. 2 no. 2 (2026), p. 6.
[22] M. Córdoba, M. Ruiz and F. Alassia, “Biological Identity and ‘Restitution’ in Argentina: Further Critical Argument,” Principia, vol. 25 no 2 (2021), p. 269.
[23] Banco Nacional de Datos Genéticos, accessed on 15/04/2026, at: https://acr.ps/hBxWAis
[24] Rae, ibid.
[25] “How Syrian Intelligence Turned Children into Pawns,” The Orphanage That Hid Us (Lighthouse Reporters), (12/09/2025) accessed on 10/04/2026, at: https://bit.ly/4t7Mriv
[26] Ibid.
[27] Isabel Coles, “A Family’s Decadelong Search for Children Stolen by Assad’s Regime,” The wall street Journal (07/06/2025) accessed on (15/04/2026), at: https://bit.ly/4tPnM3F
[28] حساب فيسبوك رسمي لـ “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية”، شوهد في 20/04/2026: https://bit.ly/4n6esFG
[29] “اجتماع عمل لتنسيق المهام ووضع آلية في البحث عن أطفال المعتقلين”، سانا (20/05/2025) شوهد في 03/05/2026: https://bit.ly/4n5nRNT
[30] “بيان حول الجهات المنسقة مع لجنة التحقيق بملف أطفال المعتقلين”، حساب فيسبوك رسمي لـ “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية” (17/11/2025)، شوهد في 03/05/2026: https://bit.ly/42JGZHT
[31] “لجنة الكشف عن مصير أبناء المعتقلين والمغيبين توضح حقيقة الوثائق المتداولة”، سانا (08/02/2026، شوهد في 04/05/2026: https://sana.sy/locals/2396077/
[32] “لجنة التحقيق في مصير أبناء المعتقلين والمغيبين قسرًا في سورية: عودة 150 طفلًا إلى ذويهم”، سانا (06/01/2026) شوهد في 04/05/2026: https://sana.sy/locals/2367869/
[33] المرجع نفسه.
[34] المرجع نفسه.
[35] “توقيف مدراء جمعيات خيرية للاشتباه بتورطهم في قضية أبناء المعتقلين المفقودين”، حساب فيسبوك رسمي لـ “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية” (02/07/2025) شوهد في 04/05/ 2026: https://bit.ly/4tIi3wi
[36] “توقيف عدد من الأشخاص المعنيين بملف الأطفال الذين فقدوا أثناء وجودهم في دور الرعاية”، حساب فيسبوك رسمي لـ “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية” (02/07/2025) شوهد في 04/05/2026: https://bit.ly/4tZIxtl
[37] “لقاء مع رغداء زيدان رئيسة لجنة التحقيق في مصير أبناء وبنات المعتقلين”، الإخبارية السورية (30/04/2026) شوهد في 17/05/2026: https://bit.ly/43idTzu
[38] المرجع نفسه.
[39] “لقاء مع رغداء زيدان، رئيسة لجنة التحقيق في مصير أبناء وبنات المعتقلين”، TRT عربي (19/04/2026) شوهد في 17/05/2026: https://bit.ly/4wA59Ck
[40] حساب فيسبوك رسمي لـ “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية” (11/04/2026) شوهد في 17/05/2026: https://bit.ly/4uZ2mkJ
[41] حساب فيسبوك رسمي ل “الهيئة الوطنية للمفقودين” (30/05/2026) شوهد في 31/05/2026 https://bit.ly/3PKJS8B
[42] يمان زباد، “أدوات الأسد الناعمة: الاتحاد الوطني لطلبة سورية أنموذجًا”، عمران للدراسات الاستراتيجية (08/06/2023) شوهد في 10/06/2026: https://bit.ly/4u4MqgJ
[43] يمان زباد، “تفكيك واجهات الأسد «المدنية» ركيزة للعدالة الانتقالية: من «التحديث السلطوي» إلى استعادة المجال العام”، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة (10/05/2026) شوهد في 20/05/2026: https://bit.ly/4u0LQ3j
[44] Madres de Plaza de Mayo Línea Fundadora, accessed on 10/05/2026, at: https://acr.ps/hBxWAeZ


